ليست أزمة العالم العربي اليوم أزمة موارد أو جغرافيا أو إمكانات، بقدر ما هي أزمة وعي. فالأمم لا تُهزم حين تفتقر إلى الثروات، بل حين يُصادر عقلها، ويُختزل دور الفرد فيها إلى مجرد صدى يردد ما يُقال له دون تفكير أو مساءلة.
على امتداد عقود طويلة، تشكلت في أجزاء واسعة من العالم العربي بيئات ثقافية واجتماعية وسياسية لا تشجع على التفكير الحر بقدر ما تشجع على الامتثال. أصبح الاختلاف مخاطرة، والسؤال تمردًا، والنقد خروجًا عن الصف. وهكذا نشأت أجيال اعتادت تكرار الشعارات أكثر مما اعتادت البحث عن الحقائق، وأصبحت قيمة الانتماء إلى الجماعة أعلى من قيمة البحث عن الصواب.
إن القطيع لا يُصنع بالقوة وحدها، بل يُصنع حين يُدرب الإنسان على الخوف من رأيه الخاص. عندما يسمع الجميع الخطاب ذاته، ويمدحون الأفكار نفسها، ويتجنبون التعبير عما يؤمنون به خشية الاتهام أو الإقصاء، يتحول المجتمع تدريجيًا إلى كتلة متشابهة في أقوالها، مختلفة في قناعاتها الصامتة. عندها يصبح الصمت لغة عامة، ويصبح الخوف ثقافة متوارثة.
ولأن العقل الحر يمثل دائمًا مصدر قوة للمجتمعات، فإن أي منظومة تسعى إلى إنتاج مواطن مطيع لا تنظر بعين الرضا إلى التعليم الذي يبني التفكير النقدي أو إلى النقاش الذي يفتح الأبواب أمام الأسئلة الصعبة. فالعقول التي تتعلم كيف تفكر لا يمكن قيادتها بسهولة بالشعارات أو العواطف أو صناعة الأعداء الوهميين. ولهذا يصبح التعليم التلقيني أكثر انتشارًا من التعليم التحليلي، وتصبح الطاعة فضيلة مطلقة حتى عندما تتعارض مع المصلحة العامة.
لقد دفعت المجتمعات العربية ثمنًا باهظًا لهذا النمط من التفكير. فبينما كانت أمم أخرى تستثمر في الإنسان المبدع والمبادر، انشغل كثيرون بإعادة إنتاج الأفكار ذاتها والصراعات ذاتها والطرق ذاتها في إدارة الواقع. وكانت النتيجة اتساع الفجوة بين ما نملكه من إمكانات وما نحققه من إنجازات.
غير أن الخروج من هذه الدائرة ليس مستحيلًا. فنهضة الأمم تبدأ عندما يستعيد الفرد حقه الطبيعي في التفكير. عندما يتعلم أن السؤال ليس جريمة، وأن الاختلاف ليس خيانة، وأن الحقيقة لا تُقاس بعدد المرددين لها بل بقوة الأدلة التي تدعمها. فالمجتمع القوي ليس ذلك الذي يتحدث أفراده بصوت واحد، بل الذي يسمح بتعدد الأصوات تحت مظلة الاحترام والعقلانية.
إن العالم العربي اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الجموع المتشابهة، بل إلى مزيد من العقول المستقلة. يحتاج إلى مواطن لا يسمح لأحد أن يفكر مكانه، ولا يسلم وعيه لأي سلطة أو جماعة أو خطاب مهما كان بريقه. فبناء المستقبل يبدأ من تحرير العقل، لأن الإنسان الحر في تفكيره هو اللبنة الأولى في بناء أمة حرة في قرارها ومصيرها.
فالأمم التي تصنع القطيع تعيش على هامش التاريخ، أما الأمم التي تصنع الإنسان الواعي فهي التي تصنع التاريخ نفسه..



