خبرني - يتذكر العقل لحظات مذهلة: حضنا أخيرا قبل الرحيل، نظرة أولى في وجه الطفل الأول، لكنه يحتفظ أيضا بتفاصيل تبدو هامشية، كرقم هاتف قديم أو مشاجرة وقعت منذ سنوات طويلة.
ومع التقدم في العمر يبرز سؤال يقلق كثيرين: هل للدماغ سعة قصوى فعلا؟ وهل يمكن أن تأتي لحظة يمتلئ فيها المخ تماما فلا يعود قادرا على استقبال المزيد، كما يحدث مع ذاكرة الهاتف؟ وإذا صح ذلك، فهل نستطيع تجنب الضرر؟
سعة محدودة أم ذاكرة لا تمتلئ؟
ظل العلماء يقدّرون سعة ذاكرة الدماغ بشكل تقريبي في حدود عشرات إلى مئات التيرابايت، وذهبت تقديرات أخرى إلى أنها ربما بين 0.1 و0.5 بيتابايت (Petabyte) في أحسن الحالات (والبيتابايت يساوي نحو ألف تيرابايت). لكن دراسة صادرة عام 2016 عن معهد "سالك" في كاليفورنيا قدّرت أن قدرة الدماغ قد تصل إلى نحو بيتابايت واحد، أي ما يعادل مئات السنين من الفيديو المتواصل.
مع ذلك، لا يعني هذا أن الإنسان قادر على تخزين وتذكّر "أي وكل شيء". المشكلة ليست في نفاد المساحة، بل في طريقة عمل الذاكرة نفسها. فالدماغ لا يحتفظ بكل ما يمر به، وإنما بما يتم تعزيزه، وما نعود إليه ونراجعه، وما نربطه بتجارب أخرى. أما ما يمر عابرا دون انتباه أو تكرار، فغالبا يخبو أثره أو يضعف استرجاعه مع الوقت.
من الناحية البيولوجية، الدماغ عضو محدود الحجم والوزن، يعتمد على شبكة معقدة من الخلايا العصبية للمساعدة في معالجة المعلومات. ما نفقده في معظم الحالات ليس "الذاكرة" نفسها، بل القدرة على:
• تكوين ذكريات جديدة بكفاءة.
• أو استرجاع ذكريات قديمة مخزنة بالفعل.
قد تظل آثار رائحة مألوفة أو قطعة موسيقية أو مشهد معين موجودة في الشبكات العصبية، لكن الذكرى تنزلق إلى مكان بعيد عن متناول الوعي. لذلك، تبدو "كلمة السر" أقل ارتباطا بمفهوم السعة، وأكثر ارتباطا بالقدرة على المعالجة والترميز والاسترجاع، على عكس الكمبيوتر أو الهاتف الذي تمتلئ ذاكرته حرفيا.
أين تعيش ذكرياتنا؟.. خرائط متعددة
لا يخزن الدماغ ذكرياتنا في "درج واحد" ولا في منطقة مفردة، بل عبر شبكة من المناطق المترابطة. كلما كثرت الذكريات المتعلقة بشخص أو تجربة معينة -صوت أو صورة أو رائحة أو ملمس أو تعبيرات وجه أو حركات- زادت المناطق الدماغية المعنية بهذه الذكرى، فتغدو أشبه ببصمة موزعة على أكثر من مكان.
بعض الذكريات لا يحتاج الدماغ إلى معالجتها بوعي مستمر، لكنه يحتفظ بها لأهميتها العملية، مثل مهارة ركوب الدراجة أو قيادة السيارة. أما الذكريات العاطفية فتميل إلى الثبات أكثر، بسبب ارتباطها العميق بمراكز الانفعال، خاصة "اللوزة الدماغية"، وهو ما يفسر صعوبة نسيان مواقف الخوف أو الفقد أو الحب الكبير.
بحسب معهد الدماغ بجامعة كوينزلاند، يمكن تقسيم الذاكرة إلى ثلاثة أنماط رئيسية:
• الذاكرة الصريحة (الواعية): وتشمل الأحداث الشخصية -مثل حفل تخرج أو رحلة- والمعلومات والحقائق العامة والذكريات المرتبطة بالخوف أو الحب أو الصدمة، إضافة إلى تكوين ذكريات جديدة.
• الذاكرة الضمنية (غير الواعية): وتحمل المهارات والعادات والعمليات التلقائية -مثل ركوب الدراجة- وربط شِراك الحذاء وحركات العزف على آلة موسيقية، هذه الذكريات تنشط في الخلفية دون استدعاء واعٍ.
• الذاكرة العاملة: وهي التي تحتفظ بالمعلومات مؤقتا أثناء التفكير أو أداء مهمة -مثل حفظ رقم هاتف لثوانٍ حتى تدوينه- أو متابعة خطوات مسألة رياضية. تشبه نوعا من "الذاكرة المؤقتة" التي نستخدمها لحظيا ثم نفرغها.
هذا التوزيع المعقد يعني أن السؤال ليس: "هل يمتلئ الدماغ؟"، بقدر ما هو: "ما الذي نختار أن نثبته في هذه الشبكات، وبأي جودة؟".
هل يمكن امتلاك ذاكرة خارقة؟
نسيان المفاتيح أو قائمة المشتريات أو حتى اسم زميل قديم أمر شائع، ولا يعني بالضرورة وجود مرض. الجميع ينسى، لكن يمكن تحسين أداء الذاكرة بدرجة ملحوظة من دون أدوية أو مكملات سحرية، عبر التركيز على ثلاثة عوامل أساسية:
1. تحسين جودة الانتباه عند دخول المعلومة.
2. ترميز أقوى للمعلومة، بالمعنى والتكرار الذكي.
3. دعم تثبيت الذكريات عبر النوم الجيد والحركة المنتظمة.
وتشير الأبحاث إلى أن الدماغ يستجيب بقوة لجملة من العادات اليومية التي يمكن أن تصقل الذاكرة فعليا، من بينها:
• ممارسة التأمل
تساعد تمارين التأمل على تحسين الانتباه وتنظيم الانفعالات وزيادة الوعي بالذات. الأشخاص الأكثر انتباها يسجلون ذكريات أدق وأقل تشويشا، ويملكون قدرة أفضل على "فلترة" ما يستحق أن يخزن، بدلا من التخزين العشوائي.
• تقليل التشتت الرقمي
التنقل المستمر بين المهام (تطبيقات التواصل الاجتماعي، الدراسة، مشاهدة الفيديو، الرد على الرسائل) يضعف التركيز ويثقل الذاكرة العاملة. دراسات على "تعدد المهام الإعلامي" تشير إلى أن الدماغ لا يعمل بكفاءة أعلى مع كثرة المهام، بل بأداء أقل وتركيز مشتت، مما يعوق ترميز المعلومات الجديدة.
• الغذاء الصديق للدماغ
نظام غذائي غني بالفواكه والخضروات والحبوب الكاملة والمكسرات، مع الأسماك والبروتين قليل الدهون، يدعم صحة الأوعية الدموية والدماغ، ويُعد جزءا من إستراتيجية الحفاظ على ذاكرة جيدة على المدى الطويل.
• النوم الكافي
النوم ليس رفاهية. أثناء النوم العميق تُنقل الذكريات من "الحصين" (منطقة مهمة في تكوين الذاكرة) إلى القشرة المخية للتخزين طويل المدى. اضطرابات مثل الشخير الشديد وانقطاع التنفس أثناء النوم قد تربك هذه العملية وتضعف الذاكرة، لذا يعد علاج مشكلات النوم جزءا أساسيا من حماية الذاكرة.
• تنظيم البيئة المحيطة
بيئة منظمة وقائمة مهام واضحة تقللان من الضغط على الذاكرة العاملة، وتجعلان العثور على الأشياء وتذكر الالتزامات أبسط، مما يترك "حيزا ذهنيا" لما هو أهم.
• العلاقات الاجتماعية
التفاعل المنتظم مع الآخرين يساهم في الوقاية من الاكتئاب والتوتر، وهما من ألدّ أعداء الذاكرة. المحادثات اليومية، العمل الجماعي، وحتى الأنشطة التطوعية، كلها تمنح الدماغ فرصا متكررة للتعلم والتذكر.
• النشاط الذهني
ألعاب الكلمات المتقاطعة، تعلم لغة جديدة، العزف على آلة موسيقية، قراءة الكتب المعقدة نسبيا، كلها أنشطة تدرب دوائر الذاكرة بطرق مختلفة.
• النشاط البدني
الرياضة تساعد على تكوين روابط عصبية جديدة مرتبطة بالتعلم والذاكرة، وترفع تدفق الدم إلى الدماغ، مما يدعم الحفاظ على "ذاكرة حادة". توصي الإرشادات الصحية بممارسة ما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعيا من النشاط الهوائي المتوسط مثل المشي السريع، أو 75 دقيقة من النشاط الأكثر شدة مثل الجري.
• متابعة الحالات الطبية والأدوية
الاعتناء بأمراض مزمنة مثل الضغط والسكري والاكتئاب وفقدان السمع والسمنة، يساهم في حماية الذاكرة. كما يُنصح بمراجعة الأدوية مع الطبيب بانتظام، لأن بعض الأدوية قد تؤثر في القدرة على التركيز والتذكر.
في النهاية، يبدو أن السؤال "هل يمتلئ الدماغ؟" أقل دقة من سؤال آخر: "كيف نستخدم هذه السعة الهائلة؟". فالدماغ -كما تشير الدراسات الحديثة- يمتلك طاقة تخزين هائلة، لكن الأداء الفعلي لذاكرتنا يتوقف على جودة ما ندخله إليه، وكيف نكرره، وكيف نمنحه الوقت والنوم والحركة ليترسخ.



