لا يشيرمصطلح الفصام الاداري (Administrative Schizophrenia) الى مرض نفسي بالمعنى الطبي يستوجب العلاج، ولكنه يشير الى اضطراب في الكفايات والقدرات لدى المديرون او متتخذو القرار. وتظهر هذه الحالة عندما يفقد المدراء صلتهم بالواقع الميداني الحقيقي لمنظماتهم او ملفاتهم التي يعملون عليها، ويستدل على هذا الفصام الاداري من خلال انفصال القرارات او الخطاب عن الواقع الفعلي، ورفع شعارات رنانة ومثالية لا تطبق ولا تنفذ، واعتبار الاعتراض او النقد استهدافا شخصيا، وعند اتخاذ القرارات من المكاتب المغلقة بعيدا عن بيئة العمل الحقيقية.
وتبلغ حالة الفصام الاداري ذروتها وخطورتها عند صياغة ورسم الاستراتيجيات طويلة الامد، والتي تسخر فيها كافة الامكانات اهداف ذات الاهمية القصوى. فالاصل في تلك الاستراتيجيات هو دراسة الواقع الحقيقي والتعرف على نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات، ومن ثم صياغة استراتيجية طموحة ولكنها واقعية. ولكن في حالة الفصام الاداري لا يتم دراسة الواقع بل صياغة استراتيجيات خيالية وعرضها (Presentation) بطريقة جذابة تتشابك فيها الخطوط والالوان على الورق او شاشة العرض، لتشكل تحفة فنية راقية ولكنها للاسف غير واقعية. الامر الذي لا ينتج عنه تحقيق فائدة او قيمة مقارنة مع الخسارة المالية الكبيرة والفشل الاداري وحالة السخط من قبل الاطراف ذات العلاقة على ضياع مقدرات يصعب تعويضها، وقد تتسبب في انهيار المنظمة وتصفيتها.
وتكون حالة الفصام الاداري اكثر شيوعا في القطاع العام مقارنة بالقطاع الخاص، حيث لا يقبل المالكون او المساهمون في القطاع الخاص أن تكون اموالهم عرضة لخطط استراتيجية غير واقعية مصيرها الفشل، اوعدم اجراء تقييم فعلي لمدى نجاعة تلك الخطط قبل تطبيقها. اما في القطاع العام وفي ظل غياب ادوات رقابية وتقييمية خارجية فعالة، وبوجود سلطة شبه مطلقة لا تخضع للمسائلة بشكل ناجع، تظهر الشخصية ذات الفصام الاداري، والتي تبهر بعرض سياسات وخطط تنال الاعجاب والتصفيق الحار، ولكنها لا تنفذ على ارض الواقع. فكم من توجه وخطة استراتيجية استنفذت اموالا من الخزينة العامة، ولكنها بقيت محفوظة في وثائق المنظمة او على موقعها الالكتروني دون اي اثر يلمسه المواطن. ستبقى ظاهرة الفصام الاداري حالة سائدة طالما كان للنقد او الاعتراض ثمن يدفع، وادوات الرقابة والتقييم عاجزة او معطلة، والخطط الاستراتيجية لا تقاس ولا تقيم، والمسائلة مغيبة.



