فيما يعمل الأردن بكل طاقاته لترسيخ مكانته كوجهة سياحية إقليمية جاذبة، تنمو في الظل ازمة خطيرة تهدد سمعة القطاع السياحي والاقتصاد الوطني معًا هي تعاظم ظاهرة منشآت الإيواء غير المرخصة، والشقق والفنادق التي تعمل خارج القانون، أو تلك التي تبيع الوهم عبر مواقع الحجز العالمية بتصنيفات وصور لا تمت للواقع بصلة.
المشكلة لم تعد مجرد
ممارسة مخالفة للقوانين والأنظمة، بل أصبحت اقتصادًا موازيًا كاملًا، يضرب الفنادق النظامية، ويهدر ملايين الدنانير من الضرائب والرسوم، ويشوّه صورة الأردن أمام السائح الذي يصل محمّلًا بتوقعات عالية، ثم يصطدم بواقع مختلف تمامًا.
نتساءل .. هل سمعنا عن اجراءات لمواجهة الظاهرة .. !؟
وكيف تُرك هذا الملف ليتضخم إلى هذا الحد؟
في الأردن تعمل الفنادق المرخصة ضمن منظومة مكلفة ومعقدة وتحت مايكرسكوب الرقابة اللصيقة ، فهي تدفع الضرائب ، ورسوم الأمانة والبلديات ، والمسقفات ، ورخص المهن والتأمينات، وكلف التشغيل المرتفعة، إضافة إلى متطلبات الدفاع المدني والصحة والسلامة العامة، فضلًا عن التقييم والتصنيف الفندقي الرسمي والمتابعة الدورية .
في المقابل، هناك عشرات وربما مئات الشقق والمرافق التي تُعرض يوميًا على منصات الحجز العالمية وتُقدم نفسها بصورة الفنادق المحترفة، بينما هي فعليًا تعمل دون رقابة حقيقية، وضمن تصنيفات مضللة، أو حتى دون أي تراخيص سياحية واضحة.
الأخطر أن بعض هذه المنشآت وبادوات تسويقية سهلة تتيحها تكنولوجيا التواصل ، تنشر صورًا احترافية ومعلومات مضللة او مبالغ بها، وتصنيفات فندقية وهمية، وخدمات تفتقر لها أصلًا.
يصل السائح ليكتشف أن (الفندق الفاخر) ليس سوى شقة متواضعة، أو مبنىً يفتقر لأبسط معايير النظافة والسلامة، وبادنى مستويات الخدمة يجد نفسه وجهاً لوجهه مع موقع مختلف تمامًا عما شاهده على الإنترنت عند الحجز.
هنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
فالسائح الذي يتعرض للخداع، لا يوجه اللوم للمنشأة وحدها، بل يحمّل الأردن المسؤولية كاملة ، فالتجربة السيئة لا تبقى داخل الغرفة، بل تنتقل فورًا إلى مواقع التقييم، ومنصات التواصل الاجتماعي، ومجموعات السفر العالمية، لتتحول إلى دعاية سلبية تضرب سمعة البلد بالكامل.
حملة دعاية مسيئة مجانية للسياحة في الأردن في غياب العيون .
في عالم السياحة، السمعة ليست ترفاً او تفصيلية إضافية ، بل هي رأس المال الحقيقي.
المؤلم أكثر أن هذا العبث يحدث بينما الفنادق النظامية تعاني أصلًا من ارتفاع الكلف التشغيلية، وتراجع نسب الإشغال في كثير من الفترات، اضافة طبعاً للمنافسة الإقليمية الشرسة.
كيف يمكن لفندق ملتزم بالقانون أن ينافس منشأة لا تدفع لا ضرائب ولا رسوم ، ولا تخضع لاي رقابة او معايير ، ولا تلتزم بأي اشتراطات؟
هي منافسة غير عادلة بكل المقاييس الخاسر الأكبر عبرها البلد وسمعته واقتصاده وقطاعه السياحي الذي يستنفذ كل الجهود والخطط والميزانيات.
بعيداً عن السمعة والصورة الذهنية ، تخسر الدولة بشكل مباشر ، عبر كل غرفة تُؤجَّر خارج المنظومة الرسمية ، هذا يُترجم لضريبة مبيعات ضائعة، وضريبة دخل مفقودة، ورسوم غير محصلة، ومسقفات لا تُدفع، إضافة إلى استنزاف للبنى التحتية والخدمات العامة دون أي مساهمة حقيقية في الإيرادات.
وحين نتحدث عن آلاف الليالي المحجوزة سنويًا عبر هذه القنوات غير المنظمة، نستطيع ان نتخيل حجم الكارثة ، فنحن لا نتحدث عن أرقام صغيرة، بل عن ملايين الدنانير التي تتبخر بعيدًا عن خزينة الدولة.
المشكلة لا تتوقف عند التهرب الضريبي فقط، بل تمتد إلى غياب العدالة الاقتصادية ، فالمستثمر الذي يلتزم بالقانون وتبعاته، يشعر اليوم بأنه يُعاقب على التزامه، بينما يكافأ المتهرب والمخالف بتحقيق أرباح أعلى وكلف أقل.
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قطاع اقتصادي أن تصبح المخالفة أكثر ربحية من الالتزام.
لا يحتاج الاردن اليوم إلى حملات موسمية أو قرارات مؤقتة، بل إلى إعادة تنظيم جذرية لقطاع الإيواء بالكامل ، المطلوب رقابة إلكترونية حقيقية تربط منصات الحجز العالمية بالجهات الرسمية، بحيث لا يُسمح لأي منشأة بالظهور على مواقع الحجز ما لم تكن مرخصة ومعتمدة وتحمل رقمًا رسميًا واضحًا.
كما أن التصنيفات الفندقية يجب أن تخضع لرقابة صارمة، لأن النجوم الوهمية لا تخدع السائح فقط، بل تقتل ثقة السوق بالكامل.
المرحلة المقبلة تتطلب أيضًا تعاونًا مباشرًا بين وزارة السياحة، ودائرة الضريبة، والأمانة، ومنصات الحجز العالمية، لإغلاق الثغرات التي تحولت إلى بوابة مفتوحة للتهرب والتضليل.
فالسياحة ليست مجرد صور جميلة على الإنترنت، بل منظومة ثقة متكاملة.
عندما تُضرب الثقة يخسر الجميع ،
فالأردن يملك مقومات سياحية عظيمة، من البتراء إلى وادي رم والبحر الميت وعمّان التاريخية، لكن هذه المقومات وحدها لا تكفي إذا تُرك القطاع فريسة للفوضى والتضليل والاقتصاد غير المنظم.
المعركة اليوم ليست فقط لحماية الفنادق النظامية، بل لحماية سمعة الأردن، وعدالة السوق، وحق الخزينة العامة، وحق السائح بأن يجد ما وُعد به، على اسس من الالتزام والتنظيم الذي يشكل ضمانة حكومية لما سيجده الزائر ، لا أن يكتشف الحقيقة بعد فوات الأوان.



