*
الثلاثاء: 19 أيار 2026
  • 19 أيار 2026
  • 13:08
الأردن أرضُ السلامِ والرِّسالات
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

ليس الأردنُّ مجردَ رقعةٍ جغرافيةٍ تتوسّدُ قلبَ الشرق، بل هو حكايةُ حضارةٍ كتبتها السماءُ على ضفافِ التاريخ، وأرضٌ تلاقحت فيها الرسالاتُ السماوية، وتعانقت فوق ترابها القيمُ الإنسانيةُ الكبرى؛ فكان وطنًا للسلام، ومنارةً للاعتدال، وموئلًا للكرامةِ والعروبة.

منذ فجرِ التاريخ، شكّل الأردنُّ ملتقى الحضاراتِ وممرَّ الأنبياءِ والرسل، فاحتضنت أرضُه خطى الأنبياء، وتعطّرت سهولُه وأوديتُه برسالاتِ السماءِ التي دعت إلى المحبةِ والعدلِ والإيمان. وفي رحابِ نهرِ الأردن وموقعِ عمّاد السيد المسيح عليه السلام، تتجلّى قدسيةُ المكان، حيث تتلاقى الروحانيةُ بالتاريخ، ويغدو الوطنُ شاهدًا حيًّا على إرثٍ دينيٍّ وإنسانيٍّ خالد. كما تحتضن أرضُ المغطس جامعةَ المغطس، التي تُجسّد رسالةَ الأردن في نشرِ قيمِ السلامِ والحوارِ والتلاقي بين الثقافات والأديان، لتكونَ منارةً علميةً وروحيةً تنطلقُ من قدسيةِ المكان إلى رحابةِ الفكرِ والمعرفة.

ولم يكن الأردنُّ يومًا أسيرَ الماضي، بل حمل إرثَه الحضاريَّ ليبني حاضرًا قائمًا على الحكمةِ والاعتدال. فغدا نموذجًا فريدًا في التعايشِ الإسلاميِّ المسيحي، وصوتًا عربيًا هادئًا يدعو إلى الحوارِ ونبذِ التطرّف. ومن أرضِه انطلقت المبادراتُ الإنسانيةُ والفكريةُ التي رسّخت قيمَ الوئام بين الأديان والشعوب، ليؤكد للعالم أن الدينَ رسالةُ رحمة، وأن الإنسانَ قيمةٌ عليا تتجاوز حدودَ العرقِ والاختلاف.

وعلى الصعيدِ السياسي، أثبت الأردنُّ مكانتَه كركيزةٍ للاستقرارِ في منطقةٍ تعصفُ بها الأزمات. فقد انتهج سياسةً تقوم على الحكمةِ والاتزان، مستندًا إلى قيادةٍ هاشميةٍ حملت همَّ الأمةِ العربية، ودافعت عن قضاياها العادلة، وفي مقدمتها القضيةُ الفلسطينيةُ والوصايةُ الهاشميةُ على المقدسات الإسلاميةِ والمسيحيةِ في القدس، تلك الوصايةُ التي تمثل عهدًا تاريخيًا بحماية الهويةِ الحضاريةِ والدينيةِ للمدينة المقدسة.

أما إنسانيًا، فقد فتح الأردنُّ أبوابَه وقلوبَه لكلِّ محتاجٍ ولاجئ، فكان وطنًا يحتضن الإنسانَ قبل أي اعتبار، ويقدّم للعالم صورةً مشرقةً عن قيمِ النبلِ والتكافلِ العربي. ورغم محدودية الموارد، استطاع أن يصنع من الإرادةِ طاقةً للحياة، ومن التحدياتِ فرصًا للإنجاز.

وفي ميادينِ الثقافةِ والتعليم، ظل الأردنُّ منارةً للفكرِ والعلم، يخرّج الأجيالَ المؤمنةَ بالمعرفةِ والانتماء، ويؤمن بأن بناءَ الإنسان هو أعظمُ استثمارٍ للأوطان. كما حافظ على تراثه العريق وآثاره التي تشهد على عمق حضارته الممتدة من البتراء إلى جرش، ومن الكرك إلى أم قيس، فكان متحفًا مفتوحًا للتاريخ الإنساني. وفي هذا السياق، تأتي جامعةُ المغطس بوصفها امتدادًا لهذا الدور الحضاري، إذ تسعى إلى إعدادِ أجيالٍ تحمل رسالةَ التسامحِ والمعرفة، وتُرسّخ مكانةَ الأردن كمركزٍ عالميٍّ للحوارِ الدينيِّ والثقافي.

إن الأردنَّ، بقيادتهِ الهاشميةِ وشعبهِ الوفي، ليس وطنًا عابرًا في صفحاتِ الزمن، بل رسالةُ سلامٍ حيّة، ونموذجُ دولةٍ تؤمن بأن القوةَ الحقيقيةَ تكمن في الاعتدال، وأن الحضارةَ تُبنى بالإنسانِ والعلمِ والقيم.

سيبقى الأردنُّ أرضَ السلامِ والرسالات، وطنًا يضيءُ في عتمةِ الشرق، ويحملُ إلى العالمِ رسالةَ المحبةِ والوئام، كما حملها الأنبياءُ من قبل فوق هذه الأرض المباركة .

مواضيع قد تعجبك