*
الاثنين: 18 أيار 2026
  • 18 أيار 2026
  • 11:55
الناقل الوطني مشروع دولة لا مشروع مياه
الكاتب: ريم الرواشدة

لم يعد شحّ المياه في المملكة خلال العقدين الأخيرين مجرد تحدٍ تنموي يمكن التعامل معه عبر حلول مرحلية أو خطط موسمية، بل تحوّل تدريجياً إلى ملف سيادي يمسّ جوهر الأمن الوطني والاستقرار السياسي والاجتماعي.
 ومن هذا المنطلق، تبرز الاتفاقية الأخيرة المتعلقة بتجهيز البنية التحتية الوطنية لاستقبال وتوزيع المياه ضمن مشروع الناقل الوطني بوصفها خطوة تتجاوز أبعادها الفنية والهندسية، لتعكس تحولات أعمق في دور الدولة وطبيعة أولوياتها، وفي شكل التحالفات التي تتشكل إقليمياً ودولياً حول “الأمن المائي” باعتباره أحد أكثر التحديات الاستراتيجية إلحاحاً في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.
فقر في مصادر المياه، سدود تتباين في نسب تخزينها من الشمال الى الجنوب، مياه جوفية مستنزفة وفاقد مياه مرتفع ونمو سكاني متسارع، وضغوط لجوء إقليمي مستمرة، وتغيرات مناخية قاسية، هذه التحديات دفعت الدولة الأردنية إلى الانتقال تدريجياً من منطق “إدارة الندرة” إلى محاولة بناء استراتيجية بقاء طويلة الأمد، يكون مشروع الناقل الوطني عمودها الفقري.
 
من هنا، فإن الاتفاقية الأخيرة لا يمكن قراءتها باعتبارها مشروع بنية تحتية فحسب، بل باعتبارها جزءاً من إعادة تعريف مفهوم الدولة ووظيفتها في مواجهة التحديات، إذ أن حديث الحكومة عن تجهيز الشبكات والخزانات وخطوط النقل لاستقبال مياه الناقل الوطني، فإنها عملياً تتحدث عن إعادة بناء القدرة الوطنية على الاستمرار والاستقرار في واحدة من أكثر البيئات هشاشة مائياً في العالم.
وبحسب الاتفاقية الموقعة أمس الاحد، فإن الولايات المتحدة ستقدم تمويلاً بقيمة 69 مليون دولار ضمن برنامج تبلغ كلفته الإجمالية 78.2 مليون دولار، يهدف إلى تهيئة البنية التحتية لاستقبال مياه مشروع الناقل الوطني، خاصة في محافظتي عمّان والزرقاء. وتشمل الأعمال إنشاء خزانات استراتيجية، وخطوط ناقلة، وربط الشبكات، وأنظمة حديثة للحد من الفاقد المائي.
لكن الأهمية السياسية للاتفاقية لا تتوقف عند الداخل الأردني. فالدعم الأمريكي الواسع لهذا المشروع يكشف عن أبعاد جيوسياسية أعمق تتجاوز قضية المياه نفسها.
الولايات المتحدة، عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، ليست مجرد جهة مانحة تمول مشاريع خدمية، بل شريك استراتيجي يرى في استقرار الأردن ضرورة إقليمية.
 ولهذا، فإن ضخ عشرات الملايين من الدولارات في تجهيز البنية التحتية للمشروع، إلى جانب التزام أمريكي أوسع بدعم مشروع الناقل الوطني مالياً وفنياً، يعكس إدراكاً غربياً متزايداً بأن الأمن المائي الأردني أصبح جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي.
 
و يمكن فهم الدعم الأمريكي المستمر للمياه في الأردن ضمن مستويات مترابطة، أولها ما  يُنظر إليه باعتباره استثماراً وقائياً في استقرار حليف استراتيجي، لوأد خلق بيئة خصبة للتوتر وعدم الاستقرار.
 
أما المستوى الثاني، فهو البعد المناخي والتنموي، إذ أن المملكة باتت تُقدم دولياً كنموذج للدول التي تواجه آثار التغير المناخي الحاد وشح الموارد الطبيعية، ولذلك فإن مشروع الناقل الوطني لا يُسوَّق فقط باعتباره مشروعاً أردنياً، بل باعتباره نموذجاً عالمياً لكيفية تعامل الدول الفقيرة مائياً مع أزمات المستقبل.
 
داخلياً، تحمل الاتفاقية أيضاً رسالة سياسية واضحة: الدولة الأردنية تحاول استعادة ثقة المواطن بقدرتها على التخطيط طويل الأمد. فالمياه بالنسبة للأردنيين ليست مجرد خدمة، بل قضية ترتبط بالحياة اليومية والعدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي. وأي تحسن في انتظام التزويد أو كفاءة الخدمات ينعكس مباشرة على المزاج العام والثقة بالمؤسسات.
 
كما أن مشروع الناقل الوطني ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي التي تحاول الدولة من خلالها إعادة تعريف دورها التنموي. فالمشروع لا يمثل فقط استجابة لأزمة المياه، بل اختباراً لقدرة الأردن على تنفيذ مشاريع سيادية ضخمة في بيئة إقليمية واقتصادية معقدة، وتحويل التحديات إلى فرصة لإعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية ومفهوم الأمن الوطني نفسه.
 
في المحصلة، تكشف الاتفاقية الأخيرة أن الأردن دخل فعلياً مرحلة جديدة في إدارة ملف المياه، مرحلة لم تعد فيها المياه قضية خدمات عامة، بل قضية سيادة واستقرار ومستقبل دولة. ولذلك، فإن مشروع الناقل الوطني، والدعم الأمريكي المرتبط به، لا يمثلان مجرد تعاون تقني أو مالي، بل يعكسان تحولاً استراتيجياً في فهم المنطقة لأهمية “الأمن المائي” باعتباره أحد أهم محددات السياسة والاقتصاد والاستقرار خلال العقود المقبلة.

مواضيع قد تعجبك