كيف قايضت طهران دم القطاع بالبقاء الاستراتيجي؟
وأنا طفل صغير، أجلس أمام تلفزيون أبيض وأسود بالكاد يلتقط ملامح الوجوه، كان غوار الطوشة في صح النوم يروي حكاية “قلب الأم”…!
لم تكن مجرد حكاية، بل صفعة أخلاقية مبكرة تقول لنا إن هناك جراحاً لا تُغتفر… حتى لو اعتذر عنها القلب نفسه.
“لا تطعن فؤادي مرتين…”
جملة ظلت تعمل في الخلفية طوال العمر، كأنها إنذار قديم لم يُطفأ.
ثم جاءت غزة… وعلّمتنا أن بعض الجراح لا تُكرر فقط، بل تُدار، وتُستهلك، وتُعاد صياغتها على الهواء مباشرة…!
غزة لا تُقتل مرة واحدة…
غزة تُقتل على دفعات، ثم يُطلب من العالم أن يتعوّد.
وهذا بالضبط ما حدث…!
بعد السابع من أكتوبر، لم ينفجر الشرق الأوسط كما وُعدنا في الخطابات، بل انفجر شيء آخر: الحقيقة.
خطابات “وحدة الساحات” ارتفعت إلى سقف التاريخ، وكأن المنطقة على موعد مع لحظة تحرر كبرى…!
لكن أول اختبار عملي لم يُنتج تحريراً، بل أنتج حدوداً دقيقة لكل شيء: للصوت، وللرد، وللخسارة.
كل طرف تحرك داخل قفصه المحسوب…
وكل رد جاء بقدر لا يُسقط المعادلة…
وغزة بقيت وحدها في مركز النار…!
هنا يتشكل السؤال الحقيقي، لا الخطابي:
من يملك قرار الحرب فعلاً… ومن يكتفي بإدارتها عن بعد؟!
في هذا الفراغ تحديداً، تعمل ما يمكن تسميته بلا تجميل:
التبعية الوظيفية والاستهلاك الاستراتيجي.
لا أحد يذهب إلى الحرب مجاناً…
حتى “الحلفاء” يُعاد تعريفهم داخل منظومات أكبر:
بعضهم يُستخدم كخط اشتباك…
بعضهم كورقة تفاوض…
وبعضهم كمنطقة امتصاص للصدمات…!
وغزة، في هذا الترتيب القاسي، لم تكن خارج اللعبة… بل داخلها حتى العظم، لكن ليس كلاعب، بل كأداة تُستهلك حتى النهاية.
ثم جاء التحول الأخطر…!
حين دخلت إيران مباشرة في معادلة الاشتباك مع إسرائيل، لم يعد مركز العالم هو غزة.
تغيرت الخريطة الإعلامية والسياسية في لحظة واحدة:
من طفل تحت الركام… إلى صاروخ في سماء طهران.
ومن مجاعة تُبث على الهواء… إلى قواعد اشتباك تُناقش في العواصم…!
ليس لأن غزة اختفت فجأة…
بل لأن الضوء رُفع عنها عمداً أو تلقائياً حين ظهر ملف أكثر قابلية لإعادة توزيع الاهتمام الدولي.
وهنا لا يعود السؤال: ماذا يحدث في غزة؟
بل: ماذا يعني ما يحدث في غزة بالنسبة لغيرها؟!
وهذا هو الانزلاق الأخطر.
تحويل الدم من قضية إلى ورقة…
من مأساة إلى بند تفاوض…
من صرخة إلى رقم في معادلة ضغط إقليمي…!
ثم جاءت اللحظة التي كسرت كل طبقات السرد…!
اغتيال إسماعيل هنية داخل إيران نفسها.
ليس الحدث هو الصدمة فقط… بل المكان.
الضيف يُقتل في بيت المضيف…!
وفي الوعي العربي القديم، هذا ليس تفصيلاً سياسياً، بل كسر لمفهوم كامل اسمه “الذمة” وحرمة الضيافة.
ومع ذلك… لم ينتج الحدث ما يوازي رمزيته.
لا انقلاب شامل في الإيقاع…
ولا انتقال جذري في قواعد الاشتباك…
بل امتصاص بارد داخل لغة “الرد المحسوب”…!
وكأن الدم يمكن إدراجه في جدول إدارة المخاطر.
وهنا تبدأ الكارثة الثانية، الأهدأ والأخطر:
ليس أن تُقتل غزة فقط…
بل أن يُعاد ترتيب قتلها بحيث لا يوقف العالم شيئاً!
الإعلام في هذه اللحظة لا يقف خارج الجريمة… بل داخلها بطريقة ناعمة.
بعض الفضائيات لم تعد تنقل المجازر… بل تدير قابليتها للاستهلاك:
القصف يصبح “تطوراً ميدانياً”…
المجاعة تصبح “أزمة إنسانية”…
والجثث تصبح “أرقاماً في نشرة عاجلة”…!
ومع كل تكرار، يفقد الألم صوته… لا لأنه انتهى، بل لأنه استُهلك أكثر مما يجب.
في الخلف، كانت إسرائيل لا تحتاج إلى ضجيج كبير… يكفيها الوقت، ويكفيها صمت العالم، ويكفيها انشغال الآخرين بغيرها…!
غزة تُضغط…
الضفة تُلتهم…
والقدس تُعاد هندستها بصمت لا يحتاج إعلاناً.
أما المقاومة… فتتحول من مشروع مفتوح إلى معركة بقاء.
ليس سؤال “كيف ننتصر؟”…
بل سؤال “كيف لا ننتهي؟!”
وحين تصل الفكرة إلى هذا الحد، يتغير كل شيء… المعنى نفسه ينكمش، والخطاب يتقلص، والأفق يضيق… ويبقى سؤال واحد فوق الركام:
من الذي ما زال يرى غزة فعلاً… ومن الذي اعتاد النظر إليها دون أن يراها؟!
وهنا تُختصر الحكاية كلها في جملة واحدة خرجت من شاشة أبيض وأسود ولم تغادرنا:
“لا تطعنوا قلب غزة مرتين…!”



