*
الاثنين: 18 أيار 2026
  • 18 أيار 2026
  • 10:59
بدّنا نروق
الكاتب: عماد داود

هيفاء وهبي تغني: "بدّنا نروق.. بدّنا نهدا شوي."

الأردني يسمع الجملة ويبتسم بتعب يعرفه وحده.

هي تقولها كمن  يحاول الهبوط ببطء من وهج ليلة صاخبة مثقلة بالرغبات!
وهو يقولها كمن خرج من ستة عشر عاما من انتظار راتب لم يتحرك!

هنا تبدأ الحكاية.

ليس بين لبنان والأردن تشابه أغنية.
تشابه أعصاب منهكة تتعلم كيف تؤجل القلق كي تبقى واقفة.

لبنان سجل 92.7 نقطة على مؤشر الدول الهشة لعام 2024.
يقف على حافة انهيار معلن.
الأردن جاء في المرتبة 68 عالميا على المؤشر نفسه.
يبدو أكثر هدوءا.
هدوء يشبه الأبواب الثقيلة. لا البحيرات المطمئنة.

الأرقام تتحدث باللهجة نفسها.

دين لبنان تجاوز 143% من الناتج المحلي.
دين الأردن كان 88.3% نهاية 2023. ثم 90.2% نهاية 2024. ثم دخل مرحلة الصعود الصامت.

بلدان يطلبان من مواطنيهما الصبر.
والفاتورة تكبر كل صباح.

لهذا تصبح "بدنا نروق" أخطر من أغنية.

ليست طلب راحة.
طلب هدنة قصيرة مع الأعصاب.

ومن يفهم الأردنيين يدرك أن أخطر مراحل الشعوب ليست لحظة الصراخ.
لحظة التعب من الصراخ!

منذ أكثر من عقد، الأردني يتنقل بين حكومة تغير استعارتها.. وتترك فاتورته.

هاني الملقي دخل كمهندس يحمل الخرائط والأسمنت.
قال: "نبني المداميك".
حاول إقناع الناس أن الضرائب ليست ألما بل أعمالا إنشائية للمستقبل.

ثم خرج بـ"البلوبيف".

فجأة صار عجز الموازنة مرتبطا بعلبة لحم معلب.
وكأن المواطن الذي يطارد التنزيلات في آخر الليل كان يعيش بذخا اسكندنافيا!

اكتشف الأردني أن المداميك الوحيدة التي ارتفعت كانت مداميك الجباية.

جاء عمر الرزاز.
لا مهندسا.
طبيب تخدير سياسي يحمل لغة ناعمة وأرقاما براقة.

مليون فرصة عمل خلال عشر سنوات.

رقم يصلح لحملة تسويقية على طريق المطار.
مرت السنوات.
البطالة بين الأردنيين تجاوزت 21%.

والشباب انتظروا "المليون" كما ينتظر موظف -نسي داخل مصعد حكومي- أن ترجع الكهرباء!

ظهر بشر الخصاونة.
شاعرا أكثر منه رئيس حكومة.

"أجمل الأيام تلك التي لم تأت بعد."

قالها والأردني يراقب عداد البنزين يقفز أسرع من راتبه.
قالها والدين العام يصعد بهدوء بارد.
قالها والاقتراض اليومي يقترب من مليوني دينار.

أجمل الأيام لم تأت.
ولا الثانية.
ولا الثالثة.

ثم وصل جعفر حسان.

لا قصائد هذه المرة.
لا مداميك.
لا بلوبيف.

يتحدث كلغة مدير شركة جاء لإطفاء حريق داخل مؤسسة متعبة.

مؤشرات أداء.
ربط محاسبة.
تحديث إداري.
تحفيز استثمار.
جداول زمنية صارمة.

حتى اللغة تغيرت.

لم تعد الحكومات تعد الناس بالفجر.
صارت تعدهم بالجداول.

لكن الأردني الذي هضم "المداميك"، وابتلع "البلوبيف"، وانتظر "الأيام الأجمل".. لم يعد يقيس الحكومات ببلاغتها.

يقيسها بما يبقى يوم 25 من الشهر!

المشكلة لم تعد في جودة الخطاب.
المشكلة في المسافة بين الشاشة والمطبخ.

جعفر حسان يحاول بناء شرعية مختلفة: حركة ميدانية كثيفة، اجتماعات خارج العاصمة، لغة تكنوقراط صارمة، ومحاولة إقناع الدولة أنها يجب أن تعمل كمنظومة تنفيذ لا كمنصة خطابة.

لكن السؤال الذي يتحرك بصمت تحت كل هذا أبسط من كل مؤشرات الأداء:

هل تتحول الجداول إلى قدرة شرائية؟
هل يشعر الموظف أن الراتب صار يكفي لآخر الشهر؟
هل يرى الخريج وظيفة حقيقية.. لا تصريحا صحفيا؟

هنا يقف الأردني اليوم.

لا بين التفاؤل والتشاؤم.
بين التعب والحذر.

لهذا تبدو "بدنا نروق" الفلسفة السياسية غير المعلنة للمرحلة كلها.

الناس لا تطلب معجزات.
لا تنتظر الفردوس الاقتصادي.

تريد فقط أن تتوقف حياتها عن التشابه مع نشرات صندوق النقد!

وهذا ما تخطئ بعض الحكومات في فهمه.

الشارع الأردني لا يثور دائما حين يجوع.
أحيانا يبرد تماما.
وذلك أخطر.

لأن الصمت الطويل لا يعني الرضا.
يعني أن الناس دخلت مرحلة الاقتصاد في الكلام.
حتى في الشكوى.

المستفيد الحقيقي من هذا المشهد ليس رئيس وزراء ولا مواطنا.

البنوك تبيع الدين بأمان.
وصناديق الاستثمار تشتري السندات الحكومية.
والمواطن يدفع الفاتورة مرتين: مرة من دخله.. ومرة من خدماته التي تتآكل بهدوء.

تناقض الفاعلين مذهل.

الحكومة تعد بالشفافية وتخفي جداول الاقتراض التفصيلية.
النواب يصفقون لبيانات لا تحتوي رقما قابلا للمحاسبة.
المواطن يصمت سنوات.. ثم ينفجر في دوار واحد.
ثم يعود الصمت.

ليس رضى.
انهيارا هادئا.

في مكان ما من هذا المشهد، تبدو الأغنية اللبنانية أخف كثيرا من معناها الأردني.

هيفاء وهبي كانت تغني عن مزاج.
والأردني يردد الجملة كمن يطلب استراحة قصيرة من وطن كامل يركض فوق أعصابه منذ ستة عشر عاما.

المعضلة الحقيقية اليوم ليست في قدرة الحكومة على إنتاج لغة جديدة.
بل في قدرتها على كسر اللعنة القديمة: أن يتحول كل وعد كبير بعد سنوات إلى مادة سخرية شعبية.

لأن الدول لا تنهكها الأزمات وحدها.
ينهكها أيضا تكرار الخيبة حتى تصبح شيئا عاديا.

وعندها فقط يصبح أخطر ما يمكن أن يقوله شعب كامل:

بدنا نروق.

في الأردن.. أخطر ما يقال هو ما لا يقال!

مواضيع قد تعجبك