*
السبت: 16 أيار 2026
  • 16 أيار 2026
  • 18:10
الصين  ذاك  التنين  الرصين 
الكاتب: عوض ضيف الله الملاحمة

عندما تتوافر عناصر القوة ، تظهر الهيبة . وعندما تعرف انك تقود دولة عظيمة ، تستشعر العظمة في كل حركاتك ، وسكناتك ، وكلماتك ، وحتى إيماءاتك ، بل وحتى أنفاسك ودقات قلبك . 

الرئيس الصيني المُبجل ، المُقدر ، المُعتبر ، المحترم ، العظيم / شي جين بينغ ، عكس هيبة ووقاراً ، وعظمة ، ورصانة ، ورزانة متفردة أمام الرئيس الأمريكي/ دونالد ترامب. 

وهنا أرى انه لا بد من التمهيد بمقدمة بسيطة ، بمعلومات معروفة ، للتأشير على ماذا ترتكز العظمة التي إرتكن اليها الرئيس الصيني / شي جين بينغ في هيبته ووقاره ، أمام الرئيس الأمريكي / دونالد ترامب . 

ترتكز الصين في عظمتها الى معطيات مهيبة ، عظيمة ، متفردة . وهنا سأذكر بعض المعطيات عن الصين مقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية. فمثلاً مساحة الصين ( ٩,٦١٥,٩٦٩) مليون كم مربع  ، يضاف لها مساحة تايوان ( ٣٦ ) ألف كم مربع ، لتصبح ( ٩,٦٥١,٩٦٩ ) كم مربع ، ومساحة الولايات المتحدة الأمريكية ( ٩,١٥ ) مليون كم مربع . يبلغ عدد سكان الصين ( ١,٤١ ) مليار نسمة ، يضاف لها عدد سكان تايوان ( ٢٣ ) مليون نسمة ، لتصبح ( ١,٦٤ ) مليار نسمة ، عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية يبلغ ( ٣٤٩ ) مليون نسمة . يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين ( ٢٠,٤ ) تريليون دولار أمريكي . ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية ( ٣٠,٦ ) تريليون دولار أميركي . يضاف الى ذلك كله علينا ان لا نغفل عن التاريخ ، والعراقة ، حيث يبلغ عمر الحضارة الصينية ( ٥ ) آلاف عام ، بينما الحضارة الأمريكية يبلغ عمرها ( ٢٤٩ ) عاماً . ومن الضروري الإشارة الى ان حجم التبادل التجاري بين الصين وأمريكا إنخفض من ( ٦٩٠,٤ ) مليار دولار عام ٢٠٢٢ الى ( ٤١٤,٧ ) عام ٢٠٢٥ . وللعلم ميزان التبادل التجاري بين البلدين يميل بشكل كبير جداً لصالح الصين ، حيث بلغت الصادرات الأمريكية إلى الصين عام ٢٠٢٥  ( ١٠٦,٣ ) مليار دولار ، بينما بلغت صادرات الصين الى أمريكا ( ٣٠٨,٤ ) مليار دولار لنفس العام . 

هناك إختلاف كبير بين الإقتصاد الصيني والأمريكي ، ويتمثل ذلك الإختلاف في :—
١ )) نسبة النمو في الإقتصاد الصيني عام ٢٠٢٥ بلغت ( ٥ ٪؜ ) . ونسبة النمو في الإقتصاد الأمريكي لنفس العام بلغت ( ٢,٢٪؜ ) . 
٢ )) كل المؤشرات تشير الى ان الصين ستتفوق على أمريكا إقتصادياً في عام ٢٠٣٠ . 
٣ )) يستمد الإقتصاد الصيني قوته من مزيج فريد يشمل : قاعدة صناعية متكاملة ، سوقاً محلية ضخمة ، وفرة الموارد البشرية ، والعمالة الماهرة ، إمتلاكها توجهاً إستراتيجياً مكثفاً نحو الإبتكار التكنولوجي ، بالاضافة إلى الإستثمارات الهائلة في الطاقة المتجددة والأتمتة الصناعية . 
٤ )) التركيز في التصنيع على تلبية كافة الاحتياجات والمتطلبات الضرورية للناس ، حتى البسيطة منها . 

إرتكن الرئيس الصيني الى كل ذلك ، بالإضافة الى رزانته ، ورصانته ، وصلابة شخصيته ، إضافة الى الفروق الشخصية بين الرجلين ، فوضع الرئيس الأمريكي بعدة مواقف محرجة  ، وربما تكون مُهينة الى حدٍّ ما . 

والأهم ما تضمنه خطاب الرئيس الصيني ، عندما قال : هل تستطيع الصين والولايات المتحدة الأمريكية تجاوز ما يسمى (( بفخ ثيوسيديدس Thucydides Trap )) : وهو مصطلح سياسي يصف الحالة التي تزداد فيها إحتمالات الحرب ، عندما تهدد قوة صاعدة بإزاحة قوة مهيمنة قائمة ، حيث يولد خوف القوة المهيمنة من هذا الصعود توتراً يؤدي غالباً الى صراع مسلح . وصاغ هذا المسمى عالم السياسة الأمريكي/ غراهام أليسون ، مستوحى من المؤرخ اليوناني القديم / ثيوسيديدس ، الذي وثّق الحرب بين أثينا وإسبرطة . 

لم نرَ الرئيس الأمريكي/ ترامب وهو في الصين كما عهدناه عند زياراته للعديد من الدول ، ولا حتى عند إستقباله العديد من رؤساء الدول في البيت الأبيض ، مطلقاً . حيث كان حذراً ، متيقظاً ، هادئاً ، ملتزماً ، ومنضبطاً في كلماته ، وحركاته . وإذا تحدث يأخذ كلامه منحى الإعجاب حدّ الذهول ، ويكيل المديح للرئيس الصيني . بينما ما عهدناه من الرئيس الأمريكي/ ترامب دوماً ، عدم الإلتزام في البروتوكول ، ولا يتردد عن توجيه إساءات لفظية او حركية تُهين وتُحرج الضيف او المضيف ، لأنه يدرك تماماً انه في حضرة (( التنين )) العظيم . 

تصوروا ان الرئيس الأمريكي/ دونالد ترامب ، خلال زيارته للصين ، أصدر تصريحاً موجهاً الى تايوان ، حذرها فيه من إعلان الإستقلال . 

كما حذر الرئيس الصيني / شي جين بينغ ، في خطابه أثناء القمة الصينية الأمريكية ، من تسارع وتيرة التغيرات التي لم يشهدها القرن . 

وأتت زيارة الرئيس الأمريكي الى الصين بعد توقف للزيارات المتبادلة بين رؤساء الدولتين دام لحوالي ( ٩ ) سنوات . حيث أتت بعد توترات ، وحربٍ تجارية بين البلدين ، وفي سياقٍ  إقليمي معقد . 

كما تخلل الزيارة الكثير من المفارقات ، فمثلاً :—
— غيّر الرئس ترامب رأية في الرئيس الصيني من ( عجوز سمين ) الى ( صديقٍ مُقرّب ) . 
— رغم الحرب التجارية بينهما ، الا ان الرئيس / ترامب وصف مباحثاته بأنها حققت ( صفقات رائعة ) ، حيث اعلن عن نية الصين شراء ( ٢٠٠ ) طائرة بوينغ . 
— وصِفَ الوفد المرافق لترامب بأنه وفد ( المليارديرات ) بدلاً من وفد (الدبلوماسيين ) . 
— أُجبِر الوفد الأميركي على ترك هواتفهم الشخصية وأجهزتهم الإلكترونية قبل دخول إجتماعات معينة . 
— أشارت تقارير الى حدوث مشادات بين الحراس الشخصيين الأمريكيين والصينيين ، في حادثة عكرت صفو البروتوكول الرئاسي . 
— أظهرت الزيارة الرئيس / ترامب في موقف يجمع بين البراغماتية الإقتصادية بتحقيق ( صفقات رائعة ) ، والتقلب السياسي ، محاولاً تحقيق توازن بين الضغط على الصين في ملفات التجارة وإيران ، وبين كسبها كشريك تجاري . 

الصين وأمريكا دولتان عظيمتان يحكمان العالم ويقودانه ، أمريكا بالقوة ، والغطرسة ، والتعدي ، والإستغلال ، ((ونجمها يخفت )) ، والصين بالإقتصاد والإقتصاد فقط ، ((ونجمها يسطع )) ، ويلمع ، ويشع . دولتان عظيمتان ، حذرتان في تعاملهما مع بعضهما البعض . 

قال لي صديقي سعادة السفير / محمد علي الظاهر بانه عندما كان يعمل في سفارتنا في موسكو ، في الثمانينات من القرن الماضي ، أيام الإتحاد السوفييتي ، وود السفر الى إحدى الدول الإسكندنافية في زيارة خاصة ، وبينما كان يجلس في الطائرة بدأ حواراً عاماً مع شخصٍ يجلس بجواره ، من الإتحاد السوفييتي السابق ، فسأله الأستاذ / محمد علي الظاهر ، ما الذي تستفيده كمواطن عندما تكون مواطناً من الإتحاد السوفييتي ، وتعيش بمستوى حياة ليست كحياة الغرب ؟ رد عليه وقال : أنت لم تعش ولم تستشعر عظمة إنتمائك الى بلد عظيم يحسب كل العالم حسابه .

فعلاً إن الصين تنين رصين ، ضخم ، عظيم ، مُهاب . وكما يقول المثل الشعبي : (( ما بيجيب الرطل غير الرطل او وقية )) .

مواضيع قد تعجبك