*
السبت: 16 أيار 2026
  • 16 أيار 2026
  • 13:33
موسم الهجرة إلى الشمال
الكاتب: عماد داود

"شملت… والنية إربد!"
في الأردن، ليست كل الجهات أسماء على الخريطة!
هناك جهات تتحول مع الوقت إلى لهجة — إلى ذاكرة — إلى شعور يمشي بين الناس!
ولهذا لم تكن العبارة الشعبية الأردنية «شملت والنية إربد!» مجرد وصف لطريق يصعد شمالاً! كانت اعترافاً شعبياً كاملاً بأن القلب الأردني — حين يشتاق إلى نفسه — يتجه تلقائياً نحو الشمال! نحو السهل الذي يشبه رغيف القمح الساخن! نحو الرمثا والكورة وبني كنانة وإربد! نحو البيوت التي لا تزال تعرف أسماء جيرانها! ونحو المدرجات التي تهتف كأنها موسم حصاد لا مباراة كرة قدم!
حتى عمر العبداللات حين غنّى لإربد — لم يكن يغنّي لمدينة فقط! كان يغنّي لفكرة كاملة: أن الشمال في الوجدان الأردني ليس جهة — بل حالة!
واليوم تبدو تلك الأغنية وكأنها كانت تتنبأ!
اليوم السبت — في مدينة الحسين للشباب، عند الساعة السابعة مساءً — يقف الرمثا والحسين إربد في نهائي كأس الأردن! فريقان خرجا من سهل حوران — من الأرض التي زرعت القمح قبل أن تزرع الأبطال، وفعلت الاثنين بصمت الكبار!
للمرة الأولى منذ خمسة وأربعين عاماً — نهائي بلا فريق عاصمي!
لكن ما يحدث ليس مفاجأة مباراة!
إنه مفاجأة خريطة كاملة تتغيّر دون إذن أحد!
قبل أن يصل الشمال إلى النهائي — كان لا بد أن يمر عبر الرمزين الكبيرين! الرمثا أسقط الفيصلي في نصف النهائي! والحسين إربد أسقط الوحدات! الفيصلي بسبعة وثلاثين لقباً في الدوري، والوحدات بسبعة عشر لقباً وعشرة كؤوس — لم يكونا مجرد ناديين! كانا تجسيداً لفكرة أن البطولة تمر دائماً من بوابة عمّان! وقد تهاوت البوابة — قبل النهائي بأسبوع!
هذا الشمال الذي يعيش فيه مليون وثمانمائة وسبعة وستون ألف إنسان — والذي يملك أعلى كثافة سكانية في الأردن كله، أعلى حتى من عمّان نفسها — كانت تُعامَل كهامش جميل لا كقوة مركزية! ريف في أصوله، سهل في جغرافيته، حضر في واقعه — مزيج لا تصنعه المدينة بل يصنعها!
محافظة إربد وحدها تمثّل اليوم أربعين بالمئة من أندية الدوري الأردني للمحترفين! الحسين بطل الدوري للمرة الثالثة على التوالي وبطل كأس الكؤوس! والرمثا في النهائي! والعربي العريق ودوقرة صاعدان إلى المحترفين! أربعة أندية من محافظة واحدة — بينما تسع محافظات أردنية كاملة بلا صوت ولا حضور!
هذه ليست مصادفة رياضية!
هذه إعادة توزيع للقوة!
طوال عقود كانت كرة القدم الأردنية تدور حول مركز واحد: عمّان! ليس فقط كملعب — بل كمفهوم! المال والإعلام والرعاية والضوء والشرعية الرمزية! بُنيت الأندية العاصمية على جغرافيا القرب — القرب من المال والقرار والمؤسسات التي تصنع الهيبة قبل أن تصنع النتائج!
أما سهل حوران — بريفه وقراه وحقوله وخمسمائة قرية تحيط بإربد — فبُنيت على جغرافيا البعد!
البعد من كل شيء!
الطيب صالح كتب عن موسم الهجرة إلى الشمال بوصفه رحلة من الهامش إلى المركز. لكن ما يحدث هنا ليس هجرة — بل اقتحام! المركز لم يعد وجهة — بل ساحة مواجهة! الشمالات لم يصلوا متأخرين — الضوء هو الذي تأخر في الوصول إليهم!
جبران لم يكتب عن الناي كآلة — كتب عن الغاب والحقل كله! القصبة حين تُقطع من أصلها لا تموت — تتحوّل إلى صوت لا يُسكت! المدينة لا تُنتج الصوت الحقيقي — تستهلكه! أما الأصل فيولد في الغاب وفي السهل وفي القرية — حيث لا إذن ولا محضر!
فانون كان يقول إن أخطر ما يفعله المركز بالهامش ليس إفقاره — بل جعله يصدّق أنه أقل قيمة! ولهذا عاشت أندية المحافظات سنوات تقلّد المركز لا تنافسه — حتى قرّرت إربد أن تتوقف عن التقليد!
وحين يتوقف الهامش عن الانتظار — يصبح مرعباً!
رولز سأل سؤالاً بنى عليه نظرية العدالة كلها: لو لم تعرف أين ستولد — في أي مدينة، في أي سهل، في أي قرية — هل كنت ستقبل هذا التوزيع؟
الجواب يكتبه العشب!
لا واسطة داخل الشباك. ولا محسوبية في الدقيقة التسعين!
كالفينو قال إن كل مدينة مرئية تقوم فوق مدينة خفية لم تُبنَ بعد. عمّان المرئية تقوم فوق إربد والرمثا والكورة وبني كنانة والكرك والطفيلة ومعان — مدن وقرى وسهول كانت حيّة دائماً لكن بلا ميكروفون!
اليوم الميكروفون انتقل!
والاقتصاد — الذي لا يكذب — سيتبع الجمهور لا النوايا الحسنة! إربد التي طالبت لسنوات بمطار دولي يُنصف ثقلها — وجدت أن المجد يأتي إليها على أقدام لاعبيها أسرع من الطائرات!
وهنا يلتقي ما سيحدث في الملاعب بما تحاول الدولة أن تقوله في لواء الموقر شرق العاصمة! «مدينة عمرة» الذكية المستدامة ليست مشروعاً عمرانياً وحسب — هي إعلان أن مستقبل الأردن لا يُبنى بتضخيم المركز المكتظ — بل بإحياء الجغرافيا الشاسعة التي تنتظر! من سهول حوران في الشمال إلى صحراء الموقر في الشرق — الأردن أوسع بكثير مما تراه الخرائط الإدارية القديمة!
الكرة سبقت الإسمنت مرة أخرى!
ما سيحدث هذا السبت ليس إسقاطاً كروياً لعمّان — عمّان أكبر وأعمق من أن تُختزل في نتيجة مباراة! لكنه إسقاط كروي قاطع لفكرة أقدم وأخطر: أن البطولة لا تولد إلا داخل أسوار العاصمة! هذه الفكرة وحدها تُهزم على العشب — بلا خطاب وبلا إعلان!
الأردن لم يكن يوماً مركزاً واحداً! كان دائماً شبكة سهول وقرى ومدن وغاب — فقط تأخر اكتشافها!
"وتلك الأيام نداولها بين الناس"
ليست آية للتزيين البلاغي!
بل قانون تاريخي يتحرك الآن من سهل حوران نحو قلب المشهد الأردني كله!
شملت… والنية إربد!
الشمالات وصلوا!
#موسم_الهجرة_إلى_الشمال
#الشمالات_وصلوا
#شملت_والنية_إربد
#وتلك_الأيام_نداولها
#نهائي_كأس_الأردن
#الأردن
[email protected]

مواضيع قد تعجبك