في شقة بمونتريال، أخذ (كوشا) لحن "يا نبي سلام عليك" — اللحن الذي عبر القارات وأبكى الملايين — وحشاه بما شاء. ضغط نشر. وضع رجلاً على رجل. وانتظر.
لم ينتظر طويلاً.
خمسون دولة اشتعلت. والرجل في شقته يحصي ويحسب. ثم خرج وقال ما لم يقله أحد بهذا البرود: أحذف — بشرط إلغاء قانون ازدراء الأديان!
لم يكن يكره النبي. كان يكره قانوناً — وجرحك كان ورقة مساومته!
ثم جاء الأردن.
أب نشر كلمة واحدة من بين كل ما في العربية — "الرويبضة" — ثم صمت. لم يبكِ. لم يتصل. ذبح ابنه بحديث نبوي أمام الناس قبل أن تذبحه الدولة. هذا الذبح أنظف — لأنه لا يحتاج محكمة ولا يقبل استئنافاً!
لكن توقف.
من ربح؟
الشيخ الذي لم يملأ مسجده أسابيع عاد بملايين المشاهدات في يوم. الحساب الذي كان يبيع إعلانات التخسيس صار يبيع الغيرة على النبي بالمزاد. المسؤول الذي لا يعرفه أحد تبرأ على الملأ ممن لم يعترف به أصلاً. السياسي الذي لا يملك برنامجاً وجد منبراً تمنّاه طول عمره.
كلهم دخلوا السوق. كلهم باعوا. كلهم خرجوا رابحين!
إلا أنت.
أنت الذي شارك من باب الاستنكار — فضاعف الانتشار. أنت الذي علّق من باب الغيرة — فرفع الترتيب. أنت الذي بكى وصرخ وأعاد البث — فأثبت أن السوق مفتوح وسيُعاد!
الخوارزمية لا دين لها. تبيع الانفعال كما يبيع الجزار اللحم بالكيلو. والغضب الديني سلعتها الأثمن — وأنت زبونها الأوفى منذ عشرين عاماً!
منذ الرسوم الدنماركية إلى شارلي إيبدو إلى مونتريال إلى عمّان — لم يتغير شيء إلا الاسم. الإساءة تكبر. الجرأة تتصاعد. السوق يتوسع.
لماذا؟
لأنهم جرّبونا. ووجدوا أننا لا نتعلم — فرفعوا السقف في كل مرة. ونحن رفعناه معهم بأيدينا وأصواتنا ودموعنا!
نحن لا نواجه الإساءة. نمنحها عمراً وسوقاً وجمهوراً!
في الطائف سال الدم حتى لصق بالنعل. عُرض الانتقام — فكان الجواب بناء لا اشتعال. بُنيت أمة — والأمة كانت الرد الوحيد الذي عجز التاريخ عن دحضه.
أخطر ما في الإساءة ليس وقوعها — بل قدرتها على تحديد جدولك وتحويلك من بانٍ إلى مشتعل!
وهم يراهنون على أننا لم نفهم هذا بعد. وفي كل جولة — يفوزون بالرهان!
اللحن ما زال يُغنى.
في الأفراح والمساجد والحناجر التي تبكي به في الليل.
لم يمسّه أحد حقاً.
نحن من مسسنا أنفسنا — حين ظننا أننا ندافع وكنا ندفع!
الأوطان لا تموت بالحروب. تموت حين يصبح المقدَّس سوقاً — ونحن لا نزال أوفى زبائنه!
وأغرب ما في الأمر — أن فاتورة الخسارة تصل كل مرة باسم الانتصار!



