*
الخميس: 30 نيسان 2026
  • 30 نيسان 2026
  • 23:14
الواقعية السياسية في الأردن والخطاب المبرّر
الكاتب: الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

تابعت كالعادة الحلقة الاخيرة من البرنامج المتميز (نيران صديقة) والتي كانت بعنوان الوزراء من يبقى ومن يغادر كل المؤشرات والضيف الكريم كان د عامر بني عامر مدير مركز الحياة راصد ..
في جوهر طبيعة الاسئلة والإجابات عنها لم يقدّم الضيف مجرد إجابات تقليدية ؟! بل حاول ان يعكس نمطًا شائعًا في الخطاب السياسي العربي المعاصر ! النمطٌ الذي يقوم على الموازنة بين الاعتراف بالأزمات وتبرير استمرارها. يمكن القول إن أبرز ما ميّز إجابات الضيف هو اعتماده على الخطاب المزدوج فهو من جهة يحاول الإقرار بوجود خلل بنيوي في الواقع السياسي من وجهة نظره ومن جهة أخرى عمل على تبرير هذا الخلل باعتباره نتيجة حتمية لتعقيدات داخلية وخارجية.
أولى الملاحظات الجوهرية التي خلصت اليها هي أن الضيف تجنّب متعمدا تقديم حلول عملية واضحة رغم إقراره بعمق الأزمة. هذا النمط من الإجابة يعكس ما يمكن تسميته بالواقعية الدفاعية حيث يتم توصيف المشكلة بدقة مقبولة نسبياً ... لكن دون محاولة طرح بدائل حقيقية. وهنا يتحول التحليل إلى أداة لامتصاص النقد بدل أن يكون مدخلًا للإصلاح.
كما أن الضيف لجأ إلى تحميل العوامل الخارجية ؟! سواء كانت ضغوطًا دولية أو توازنات إقليمية الجزء الاكبر من المسؤولية. هذا الطرح كما أراه ليس خاطئًا بالكامل ؟! لكنه يصبح إشكاليًا عندما يُستخدم لتقليل مسؤولية ودور الفاعل الداخلي !! إذ أن الإكثار من رمي الكرة في ملعب العامل الخارجي (نوع من المجاملة )قد يتحول إلى ذريعة دائمة تعفي القوى المحلية من المحاسبة.

من زاوية أخرى برز في إجابات الضيف ميل واضح إلى إعادة إنتاج خطاب إدارة الأزمة بدل حل الأزمة ويبدو ان الضيف ربما تأثر ببعض الطروحات الأمريكية المستحدثة في اتباع سياسة ادارة الأزمات بدل حلها (رغم اني اكتشفت ان الساسة الأمريكيين في أية ادارة جمهورية او ديمقراطية ذهبوا بعيدا عندما تبنوا الان سياسة ادارة الفشل وليس الأزمات كما يفعلون في العراق الان ؟؟!! فالضيف في تكتيكاته ومناوراته يتحدث عن احتواء التحديات والتكيف مع الواقع والتعامل مع الممكن دون أن يطرح تصورًا يساعد في تغيير هذا الواقع جذريًا. الأمر الذي يعكس أزمة أعمق في التفكير السياسي حيث يتم استبدال الطموح الإصلاحي بمنطق البقاء والاستمرار رغم ان هذا سياق اصبح شائع جدا في سياسات كثير من تجارب الدول ؟!

اللافت أيضًا أن الضيف لم يتعمق كثير وبشكل كافٍ إلى دور الإرادة الشعبية أو المجتمع في صناعة التغيير (علمًا ان المجتمع في الأردن من المجتمعات الواعية والنشطة ايجابيًا من الناحية السياسية )وحاول ان يظهر ان العملية السياسية حكراً على النخب وحدها. هذا الإغفال يعكس فجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي ويطرح تساؤلات حول مدى إيمان هذه النخب بقدرة الشعوب على التأثير.

في المحصلة يمكن القول إن إجابات الدكتور عامر بني عامر ذات بعد دبلوماسي تعكس خطابًا سياسيًا اصبح  مألوفًا نوع من الخطابٌ الذي يعترف بالأزمة دون أن (يغامر) بتفكيك أسبابها الحقيقية ويبرر الواقع بدل أن يتجاوزه. إنه خطاب يحاول أن يبدو عقلانيًا وواقعيًا لكنه في العمق يكرّس حالة الجمود.
وهنا تكمن الإشكالية في طريقة تكتيكات اجابات الضيف حين يتحول التحليل الذي شدد علية د هاني باسئلته إلى غطاء للاستمرار بما هو قائم لا أداة للتغيير !! لذلك يمكن القول هنا ان منهج السياسة التي يريدها الأردن من المسؤولين تفقد معناها كفعل إصلاحي مأمول وموجه عليه من جلالة الملك ودولة رئيس مجلس الوزراء والشعب وتتحول إلى إدارة دائمة للأزمات لا أكثر.

مواضيع قد تعجبك