خبرني - في جولة الصحف اليوم، نأخذكم بين ثلاث زوايا مختلفة للعالم كما تراه الصحافة: في بريطانيا، تُطرح أسئلة ثقيلة حول مستقبل المواجهة بين أمريكا وإيران، وفي الولايات المتحدة، يتناول أحد الكتّاب سؤالاً حساساً: لماذا يبدو أن الأمريكيين يطالبون إسرائيل بمعايير أعلى من غيرها؟ أما صحيفة التلغراف، فنأخذكم إلى موضوع أقرب لحياتكم مما تتوقعون: الخبز، وتجيب عمّا إذا كان نوع رغيفكم اليومي يكشف شيئاً عن مكانتكم.
البداية من صحيفة "الغارديان" البريطانية ومقال بعنوان "هذه هي أكبر مشكلة تواجه واشنطن: إيران لا ترى أي داعٍ للتسوية" للكاتب سينا توسي، المختصّ في العلاقات الأمريكية الإيرانية، والسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.
يعرض الكاتب في هذا المقال إشكالية رئيسية تواجه واشنطن، إذ يرى أن إيران لا تشعر بضرورة تقديم تنازلات في المفاوضات. ويشير إلى أن تسمية طائرة الوفد الإيراني بـ (ميناب 168) تعكس "مزيجاً من المظلومية والإصرار"، وتُعبّر عن اعتبار طهران المفاوضات امتداداً للصراع لا بديلاً عنه، وفق الكاتب.
ويقول الكاتب إن "إيران لا تتفاوض من موقع ضعف، بل من قناعة بأنها صمدت في الحرب دون خسارة عناصر قوتها، لذلك يرى مسؤولوها أن الدبلوماسية ليست سوى استمرار لمعركة لم تُهزم فيها".
ويؤكد توسي أن طهران تعتبر الضغوط العسكرية غير كافية لكسر موقفها، مستندة إلى أوراق مثل: البرنامج النووي ومضيق هرمز، بينما يشير إلى أن واشنطن ما زالت تراهن على أن الضغط سيؤدي إلى تنازلات.
كما يوضح أن إيران تنظر إلى قدراتها- النووية والعسكرية والإقليمية- باعتبارها "ركائز أساسية للأمن" وليست أوراقاً قابلة للتفاوض، معتبرة أن تخفيف العقوبات "قابل للتراجع"، بينما "التخلي عن هذه الأوراق قد يفتح الباب لمزيد من التصعيد".
ويضيف أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد فشل الجولة الأولى عززت هذا الانطباع، إذ قال: "لا أريد 90 في المئة ولا 95 في المئة… أريد كل شيء"، ما يعكس غياب الاستعداد لتسوية وسط، بحسب كاتب المقال.
وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الوفد الإيراني دخل المفاوضات من "موقع قوة متصوَّر"، معتبراً أن الحرب لم تحقق التحول الذي كانت تريده واشنطن، بل "عززت ثقة طهران بقدرتها على الصمود".
كما ينقل عن مستشار رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، أن الجولة الأولى كانت "تقييمية لا تفاوضية"، حيث كان كل طرف "يختبر الآخر دون توقع اختراق سريع، مع انتقاده لغياب وضوح الأهداف لدى الجانب الأمريكي".
وفي المحصلة، يرى الكاتب أن التداعيات العالمية لانقطاع الطاقة تجعل أي تصعيد متجدد "ثمناً باهظاً لا يرغب أحد في تحمله".
ويختم بأن "الهدف الأوسع، الذي تبلور خلال الحرب، هو الخروج الدائم من العزلة، استناداً إلى ما سعت طهران إلى إثباته في الصراع: أنه لا يمكن للخليج ولا للاقتصاد العالمي أن يستقرا دون استقرار إيران وتكاملها".
"هناك سبب يجعل الأمريكيين يطالبون إسرائيل بمعايير أعلى"
وإلى صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، والتي يعرض فيها الكاتب روس دوثات فكرة أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تمر بتحول مهم، إذ يشير إلى أن "الحرب قد سرّعت التحول الواسع في الرأي العام الأمريكي ضد إسرائيل، وهو تحول كان الأشد بين الديمقراطيين، لكنه أصبح يزداد أهمية أيضاً بين الجمهوريين الشباب".
ويقول الكاتب إن هذه "الحرب دفعت الانتقادات الموجهة نحو إسرائيل إلى اتجاهات أكثر راديكالية مثل معاداة أعمق للصهيونية ورؤية أكثر تآمرية للعالم ومساواة أخلاقية بين الحكومة الإسرائيلية وحماس". لكنه يؤكد: "أنا لا أشارك هذه الانتقادات الراديكالية"، رغم أنه يعترف بأنه أصبح "أكثر شكاً في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية بسبب حرب غزة والحرب مع إيران".
ويرى الكاتب أن إسرائيل أصبحت مثالاً لقيم قومية ودينية يرفضها اليساريون بشكل متزايد، بينما على اليمين تجعل قومية "أمريكا أولاً" من الصعب تقبّل التحالفات الخاصة، مع قابلية بعض التيارات للانزلاق نحو معاداة السامية.
ويضيف: "جعلت الظروف الرقمية من الواضح أن كراهية اليهود فريدة من نوعها بين أشكال الكراهية، قديمة ومتجددة في آن واحد، وتنتشر عبر الهويات السياسية المختلفة بمجرد زوال المحظور".
ومع ذلك، يؤكد أن تفسير الظاهرة لا يقتصر على العداء، بل يتضمن عاملاً آخر، إذ "ليس من قبيل الصدفة" أن يكون التركيز على إسرائيل، لأن الأمريكيين لديهم علاقة مختلفة معها مقارنة بدول أخرى "أسوأ بكثير".
ويشرح الكاتب هذا العامل من خلال تجربته الشخصية، إذ يقول: "ما تعلمته… هو أن قصة اليهود وتاريخ معاداة السامية وحجم المحرقة وتأسيس إسرائيل تشكل أحد التيارات المركزية في التاريخ الغربي"، مشيراً إلى أن هذه السردية كانت جزءاً أساسياً من الثقافة والتعليم الأمريكي.
ويضيف أنه لم يكن هناك اهتمام مماثل بتاريخ دول أخرى حليفة، حيث "لم يعلمني أحد بعمق عن التجربة السعودية أو التاريخ الباكستاني"، ما يعني أن قصة إسرائيل "داخل" الهوية الأمريكية، بينما تبقى قصص أخرى "خارجها".
ومن هنا، يرى الكاتب أن "شدة الانتقادات لإسرائيل تعود جزئياً إلى هذا الإحساس بالانتماء، إذ يتعامل الأمريكيون معها كجزء من مجال الهوية والمسؤولية، على عكس الملكية السعودية مثلاً".
لكنه يلفت إلى أن هذا القرب قد يتحول إلى عبء سياسي، لأن إسرائيل تُحاسَب أخلاقياً أكثر من غيرها، في حين "تفلت السعودية من قدر أكبر من الانتقاد بسبب اختلاف التوقعات".
ويطرح الكاتب تساؤلاً حول ما إذا كان من الأفضل لإسرائيل أن تتحول إلى علاقة أكثر براغماتية مع الولايات المتحدة، لكنه يبدي شكه في إمكانية ذلك، كما لا يرى أنه خيار مرغوب.
وفي الختام، يؤكد أن استمرار هذا الارتباط الثقافي يعني أن إسرائيل "لن تُعامل كقوة غير غربية عادية"، بل ستظل سياساتها خاضعة "لحكم أكثر قرباً وحميمية"، وهو ما ينبغي فهمه "كجزء من الصداقة لا مجرد علامة على العداء".
"ماذا يقول رغيف خبزك اليومي عن مكانتك الاجتماعية؟"
على صفحات "التلغراف" البريطانية، تعرض الكاتبة فرانشيسكا بيكوك فكرة العلاقة بين الطعام والطبقة الاجتماعية من خلال مثال بسيط هو الخبز، إذ تبدأ بسخرية قائلة إن "مشكلة إطعام الجموع اليوم هي اختلاف الأذواق، متسائلة: هل سيقبل الجميع خبزاً عادياً"؟
وتشير إلى أن الخبز، رغم بساطته، أصبح مدخلاً لنقاش معقد حول الطبقة، حيث يعكس اختيار الفرد لنوعه- بين الأبيض الرخيص أو خبز العجين المخمر العضوي- موقعه الاجتماعي وصورته الذاتية. وتوضح مفهوم "محور الخبز والطبقة" الذي يربط بين "الفخامة" وسعر الرغيف، في صورة خط بياني يعكس الفوارق الطبقية.
وتقول الكاتبة إن تنوع الخبز اليوم "مذهل"، فبإمكان مبلغ زهيد شراء خبز عادي، بينما لا يكفي المبلغ نفسه إلا لجزء صغير من خبز فاخر، بحسب طرحها، في حين يصل سعر بعض الأرغفة إلى مستويات مرتفعة تعادل ثمن كتاب أو مشروب.
لكنها ترى أن المسألة لا تتعلق بالسعر فقط، بل أيضاً بالشعور بالهوية؛ إذ يرتبط اختيار الخبز الفاخر بنوع من "الرضا الطبقي" لدى الطبقة الوسطى، التي تستخدمه كوسيلة لإبراز مكانتها، حتى من خلال رموز بسيطة مثل أكياس التسوق.
وتربط الكاتبة هذه الظاهرة تاريخياً، مشيرة إلى أن الخبز كان دائماً رمزاً طبقياً، كما في الثورة الفرنسية، حين أثارت دعوة ماري أنطوانيت إلى أكل البريوش غضب العامة، وكذلك في شعار فلاديمير لينين "الخبز والأرض والسلام".
ومع ذلك، تختم بالتشكيك في دقة هذا التصنيف، موضحة أن بعض الأثرياء يفضلون الخبز البسيط، ما يعني أن العلاقة بين الخبز والطبقة ليست خطاً مستقيماً، بل أكثر تعقيداً وتداخلاً.



