*
الاربعاء: 22 نيسان 2026
  • 21 نيسان 2026
  • 23:21
الأسامي هي هي والقلوب تغيّرت جبهة العمل الإسلامي  ثمانية عقود في خدمة البقاء
الكاتب: عماد داود

قبل المضي — إنصاف واجب.
صوّتُّ لمرشحيهم. لأنهم، قياساً بمن ينافسون، بدوا أكثر انضباطاً وأقلّ تورطاً في سوق الصفقات المفتوح.
لكن هذه ليست شهادة براءة.
ومع ذلك — لا ملائكة هنا. ولا شياطين هناك.
ما يلي قراءة، لا حكم. والفرق أن القراءة تفهم، والحكم يدين. ومن يعترض على القراءة بالنية لا بالحجة — فهو يثبت ما تقوله.

قاعة مغلقة في عمّان.
مئة عضو في مجلس الشورى.
وصوت واحد فقط فصل بين خيارين:
البقاء بتبرؤ… أو الرحيل بكرامة!
اختار التنظيم البقاء.
ودفع ثمنه من اسمه.

في الثامن عشر من أبريل 2026، وقف 592 عضواً في المركز الثقافي الملكي وسط عمّان — وليس في قاعة خلفية متواضعة بل في أرقى صالات الدولة — ليصوّتوا على إزالة كلمة من اسم حزبهم.
ولد حزب الأمة.
ومات في اللحظة ذاتها حزب جبهة العمل الإسلامي.
لم يمت بثورة. لم يمت بانشقاق. لم يمت بهزيمة.
مات بإجراء قانوني أنيق.

وحين انتهى التصويت، هتف الأعضاء: "حزب الأمة يا محلاه — احنا اليوم بايعناه."
لم يكن احتفالاً.
كان وداعاً!

موسى الوحش قال إن التعديلات "انطلاقة نحو آفاق أرحب". وائل السقا أكد أن الحزب كان وسيبقى في "خندق الوطن". وأحمد القطاونة أضاف أن "الأسماء إطار شكلي والجوهر في الفكرة".
وبقي السؤال واقفاً وحده:
لماذا؟

القصة لا تبدأ في 2026. تبدأ في 1945.

نوفمبر 1945. الشيخ أبو قورة يلتقي الأمير عبدالله. يخرجان بترخيص.
لم يكن ذلك منّة.
كان تكليفاً!

بنى الأمير إمارته في صحراء قاسية، وكان يملك شرعية نسبه النبوي. لكن الشرعية وحدها لا تملأ صناديق الاقتراع ولا تحشد الشارع. الجماعة جاءت بما يكمّلها؛ شرعية الناس والكلمات التي تشبع من لا تصلهم ميزانيات الحكومة. الدولة أعطت الورق والغطاء، والجماعة أعطت الولاء والحشد. لم يكن الأمر تسامحاً — فالتسامح كلمة رخوة. كان استثماراً. والمستثمر لا يمنح شيئاً دون أن يحسب العائد في رأسه.

في 1957، حين قرر الملك الحسين حظر الأحزاب كلها، نجت الجماعة وحدها. ليس لأنها أقل خطراً — بل لأن القوميين الناصريين واليساريين كانوا يهزّون العروش، وكانت الجماعة الخنجر الأيديولوجي الوحيد في مواجهتهم.
أربعة آلاف رجل عسكروا قرب عمّان.
لم يُطلب منهم أن يقاتلوا.
طُلب منهم أن يُرَوا.
وكانوا.
هذا الحضور لم يكن منحة.
كان دَيناً!

في السياسة الأردنية ثمة مهارة نادرة: التبرؤ الوقائي.
أتقنتها الجماعة حتى صارت هوية!

حين أُطلقت الرصاصات على ناهض حتر أمام قصر العدل عام 2016، كان التبرؤ أسرع من الرصاصة. السؤال الذي بقي في الهواء ولم يُجب عنه أحد: هل كان المناخ وقوداً والرصاصة مجرد عود ثقاب؟
لا أحد يجيب. والأردن دفن الميت واستمر.

وحين ادّعى يونس قنديل — أمين عام منظمة "مؤمنون بلا حدود" — أن مجهولين خطفوه وكتبوا على ظهره عبارات تدين الإسلاميين، لم يحتج الحزب أن يدافع عن نفسه. الأجهزة الأمنية كشفت الكذبة. وقنديل اعترف.
الدولة دافعت عن الحزب!
لأن الحزب لم يكن خصماً كاملاً — كان جزءاً من توازن مُدار. استثمرت بنيتَهم لتخفيف عبء الخدمات، وانضباطَهم لصرف الطاقة الاحتجاجية، وقيادتَهم المرخّصة لترى دائماً — من يقود وماذا يقول وأين يجتمعون. هذا ليس اتهاماً بالعمالة — العمالة تخون. هذا وصف للشراكة الوظيفية التي يُحسن كلا طرفيها توظيفها، وكلاهما يعرف أنها ليست حباً.
القبضة الناعمة أحكم من الشبك الصلب.

ثمة مشهد يختصر هذه العلاقة بأدق مما تختصره أي وثيقة.
عام 2002، في ذروة التصعيد النقابي وتحركات "الزحف المقدس" نحو السفارة الإسرائيلية، دخل الملك عبدالله الثاني اجتماعاً بوزارة الداخلية وخاطب النائب صالح العرموطي مباشرة:
"أنت أكثر شخص يلعب… وملفك عندي ثلاثة أمتار. لكنك صديقي."
ردّ العرموطي بذكاء من يعرف حدود الغرفة تماماً:
"أعتزّ بهذه الصداقة. وملفي الذي بين يديك ملف وطني."
هذه ليست ذكرى.
هذه هي الشيفرة!
الصوت عالٍ في القاعة. واليد الطولى للدولة في القرار. الصوت العالي مكفول. والقرار الجوهري محفوظ. وهذا ليس فشلاً — بل هو شرط البقاء الذي قبله الطرفان منذ نوفمبر 1945.
قبول الحركة بدور "بركة المجلس" يمنحها شرعية البقاء ويجنّبها الصدام الوجودي — لكنه يحوّل معارضتها إلى ديكور ديمقراطي. ترفع الصوت، ولا تملك أداةً تغيّر بها القرار الجوهري.

ثم تكسّرت الشيفرة.
ليس بضربة واحدة — بل بتآكل من الداخل قبل أن يُرى من الخارج.

في الداخل، كانت الجماعة تتفتت قبل أن تتفتت أمام الدولة. عام 2015، انشقّ جناح كامل وأسّس "جمعية الإخوان المسلمين" المرخّصة — تنظيم موازٍ بنفس الاسم ونفس الادعاء. ومبادرة "زمزم" قبلها كشفت أجنحة لا تتفق على ما هي عليه قبل أن تتفق على ما تريد. وعقود من الوعظ والشعارات العامة حوّلت حركةً كانت تملك الشارع إلى حركة تتحدث إليه من فوق — وهذا فرق لا يغفره الشارع.

وفي الخارج، تغيّرت الخارطة كلها. السابع من أكتوبر 2023 حوّل ارتباط الجماعة بحماس من ورقة يُحتمل تداولها إلى فتيل يمكن إشعاله في أي لحظة. الخليج صنّف الإخوان. ومصر حاكمتهم. وعمّان التي صمدت عقوداً أمام الضغط الإقليمي وجدت نفسها أمام فاتورة دبلوماسية لم تعد قادرة على تأجيل سدادها. في يناير 2026، جاء تصنيف ترامب رسالةً لعمّان لا للإخوان: الاستثناء انتهى.

وفي أبريل 2025، مع تكشّف مستودعات السلاح في الزرقاء وعمّان — بكل ما حوته من صواريخ ومسيّرات ومتفجرات — سقطت آخر أوراق التوت عن العقد الرمادي. ولأول مرة في ثمانية عقود، أدركت الدولة أن السيادة لا تقبل القسمة، وأن الاستثناء التاريخي قد انتهى عند حدود الأقبية.
التبرؤ لم يعد كافياً!

جاء الرد الأردني كعملية جراحية باردة لا تكسر العظم بل تُعيد ضبط بوصلته: لا تحلّ الحزب. لا تصطدم به.
انزع عنه هويّته.

في 23 أبريل 2025، أعلنت الحكومة الجماعة جمعية غير مشروعة. ثم وُضع الحزب أمام خيار واحد: غيّر اسمك في ستين يوماً أو نُحلّك. وحين يزعم أحدهم أن التغيير كان طوعياً — فليتذكر أن الإرادة التي تولد في المسافة الضيقة بين الامتثال والزوال ليست حرية اختيار. هي تفاوض على الثمن.

اختارت الجماعة أن تعيش كمسمى إداري في سجلات الدولة، على أن تموت كأسطورة في وجدان التاريخ. وفي المركز الثقافي الملكي، حُذف من الوثيقة التأسيسية هدف "استئناف الحياة الإسلامية" وهدف "إعداد الأمة لجهاد أعدائها". وأُدرج بدلاً منهما مصطلح "المواطنة".
المواطنة.
كلمة واحدة نزعت طبقة كاملة من المعنى.

والمفارقة أن واشنطن التي أصدرت التصنيف تُجيز للتيار الإنجيلي أن يصنع رؤساء باسم الإيمان — بينما تحظر عمّان على "الإسلامي" أن يكون إسلامياً في اسمه. لكل جغرافيا معيارها، ولا أحد يشرح.
العصر يطلب إسلاماً بلا اسم!

لكن أعمق من كل هذا — كان الداخل.

شرعية الجبهة لم تأتِ يوماً من البرامج ولا من الأيديولوجيا. كانت تأتي من الاتساق — من أن الناخب البسيط يرى أمامه من لا تُعرف عنه صفقة. وحين انكسر هذا الاتساق أمام كاميرات البرلمان، تحوّل الحزب من حزب يُدير التوتر إلى حزب يُنتجه — وهذا هو الفرق الذي لا تغفره الشرعية الشعبية. ومن يقول إنها حادثة فردية لا تمثّل الحزب — فليشرح لماذا لم يُحاسَب من فعلها محاسبة علنية تليق بتنظيم يدّعي أن الاتساق هويته.

عربيات جلس في كرسي رئيس المجلس وأدار جلسات جامحة في ظل حرب الخليج — ولم ترتفع يده على أحد.
منصور استقبل النقد بصدر رحب ولم يُسجَّل عليه أنه عبس في وجه معارض.
وبني إرشيد — الأعلى صوتاً بينهم — حين سُجن وصف سجنه خلوة مع الله.
كانوا يعرفون ما غاب عن الجيل الجديد:
الصبر المحسوب أشدّ فتكاً من الصراخ المجاني!

مواجهات الإخوان كانت دائماً مع الدولة — فكان المجتمع خلفهم أو صامتاً محايداً. حين صارت المواجهة مع زميل في القاعة، فقد الحزب ما لم تمنحه الدولة يوماً ولم تستطع أن تنزعه — الثقة الشعبية التي بناها بنفسه، كلمة فوق كلمة، على مدى ثمانية عقود.

حزب الأمة.
اسم يحمل كل شيء ولا يمسك شيئاً.
أيّ أمة؟
الأمة الإسلامية التي لا يُسمح بذكرها في الاسم؟
أم الأمة الأردنية التي ينافس الحزب على تمثيلها؟
أم أمة الجبهة التي لم تعد جبهة؟

القطاونة قال إن "الأسماء إطار شكلي والجوهر في الفكرة". جملة صحيحة في الفلسفة. لكن في القانون — الاسم هو الكيان. وما لا يظهر في الوثيقة لا يُحتجّ به. حين حُذف "الإسلامي" من الاسم وحُذف "الجهاد" من الوثيقة، لم يُحذف حرف — حُذف الأساس القانوني لأي مطالبة مستقبلية بهذه الهوية. الجوهر الذي لا يُكتب، لا يُورَّث.

في مسلسل "أم الكروم"، حين غيّر عواد اسم القرية إلى "ضاحية النجوم"، لم يُبعد الكروم عن الناس — أخفى عنهم حق الاعتراض. وحين لا تجد الذاكرة اسمها، تبدأ في الشك بنفسها.
الفنانة ذكرى كانت تغني: الأسامي هي هي والقلوب تغيّرت.
في هذه الحالة، العكس هو الذي جرى: تغيّر الاسم — وأُقسم أن القلب لم يتغيّر. لكن الناخب في إربد والزرقاء والكرك يعرف الفرق بين القَسَم والحقيقة.

نصف مليون أردني جعلوا الحزب الكتلة الأولى في البرلمان بـ31 مقعداً من 138. وهذا الرقم ليس دليل عافية — هو آخر رصيد الثقة المتراكمة. الناخب يصوّت على ما يعرفه، لا على ما يراه اليوم. والفرق بين الرصيد والدخل أن الرصيد يُستهلك.
هم لم يصوّتوا لكلمة. صوّتوا لدور.
يسألون سؤالاً واحداً: هل هذا الحزب يشبهني حين تضغط الدولة؟
وحين يرى أن الإجابة باتت: يتغيّر اسمه حين تُخطره الهيئة، ويحذف من وثيقته حين تشير واشنطن، ويُدرج "المواطنة" حين يطلبها القانون —
سيبحث عن من يشبهه أكثر.
والشارع الذي يفقد حامله المؤسسي لن يذهب إلى البيت.
سيبحث عن حامل آخر — أقل مؤسسية، وأصعب إدارة، وأسرع اشتعالاً!

في 1945 قال النظام للإخوان: نحن بحاجة إليكم.
في 2026 قال النظام للإخوان: غيّروا اسمكم.
بين الجملتين ثمانون سنة.
لكن المسافة الحقيقية لم تكن في الزمن.
كانت في المعنى.
مرة كانوا يُستدعون لأنهم يملكون ما لا تملكه الدولة.
واليوم يُستدعون لأنهم لم يعودوا يملكونه!

المهندس الحقيقي لهذا الانهيار لم يكن في الهيئة المستقلة، ولم يكن في البيت الأبيض، ولم يكن في العواصم التي تُحرّك الأوراق من بعيد. كان في الداخل — في تراكم الانشقاقات التي لم تُعالَج، والجمود الأيديولوجي الذي لم يُراجَع، والجيل الذي ظنّ أن القبضة تختصر ما بناه الصبر في ثمانية عقود.

التنظيم الذي قدّم للدولة ما لم تستطع أن تصنعه — انتهى به المطاف يستأذنها في اختيار اسمه. ومن يُنصف التاريخ يقول: لم يكن هذا التنظيم صنيعة الدولة وحدها. بنى شرعيته بيده، وحشد ناسه بكلمته، وصمد حين صمد بإرادته. لكن من اختار البقاء على أي ثمن — يكتشف في النهاية أن العلاقة التي أبقته كانت دائماً عقد إيجار، لا سند ملكية.

والأخطر من انتهاء العقد —
أن المكان لن يبقى فارغاً!

 

مواضيع قد تعجبك