خبرني - في توقيت يتزامن مع تصاعد النقاشات حول مشروع قانون الضمان الاجتماعي، أصدر الدكتور محمد عبدالقادر دراسة تحليلية متخصصة بعنوان "حتى لا تنحرف بوصلة النقاش"، لتسلّط الضوء على التحديات الجوهرية التي تواجه استدامة النظام، وتدعو إلى إعادة صياغة منهجية التفكير في أي تعديلات تشريعية مقبلة.
وتؤكد الدراسة أن نظام الضمان الاجتماعي يُعد أحد أهم ركائز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الأردن، كونه يدير أكبر صندوق ادخاري وطني، ما يجعل أي خلل في استدامته المالية قضية تمس الاقتصاد الكلي ومستقبل الأجيال.
تحوّل في مصادر النمو
تشير نتائج الدراسة إلى حدوث تحوّل هيكلي في مصادر نمو أصول صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي. فبعد أن كان النمو خلال الفترة (2003–2017) يعتمد بشكل رئيسي على الفوائض التأمينية، بدأت هذه الفوائض بالتراجع بشكل ملحوظ، لتفقد نحو 50% من مستوياتها مقارنة بعام 2017.
في المقابل، برزت العوائد الاستثمارية كمحرّك رئيسي للنمو منذ عام 2019، في انتقال واضح من نموذج قائم على الاشتراكات إلى نموذج يعتمد على أداء الاستثمار. إلا أن الدراسة تلفت إلى أن هذه العوائد لم تحقق تفوقاً مستداماً على البدائل منخفضة المخاطر، مثل الودائع المصرفية، ما يثير تساؤلات حول كفاءة إدارة الاستثمارات.
ضغوط ديموغرافية متزايدة
وتحذّر الدراسة من تحديات ديموغرافية متصاعدة، أبرزها تباطؤ النمو السكاني وتراجع وتيرة دخول مشتركين جدد، مقابل ارتفاع متوقع في أعداد المتقاعدين. وتشير التقديرات إلى احتمال انخفاض نسبة المشتركين إلى المتقاعدين إلى نحو 1.5 مشترك لكل متقاعد بحلول عام 2100، ما يضع ضغوطاً إضافية على النظام.
اختلالات في الحوكمة
على صعيد الحوكمة، ترصد الدراسة عدداً من الملاحظات، من بينها محدودية تدوير مدققي الحسابات، وغياب إشارات واضحة في تقارير التدقيق بشأن الشكوك المتعلقة بالاستمرارية (Going Concern)، إضافة إلى الاعتماد على الدراسات الاكتوارية الدورية دون وجود أنظمة لحظية متكاملة لقياس الاستدامة المالية.
انتقادات للفرضيات الاكتوارية
وتطرح الدراسة تساؤلات حول بعض الفرضيات الواردة في الدراسة الاكتوارية الأخيرة، منها:
- افتراض محدودية مشاركة المرأة اقتصادياً مستقبلاً، بما لا يتجاوز 40%.
- تقديرات متحفظة للنمو السكاني.
- اعتماد معدل عائد استثماري بحدود 4.7%، وهو قريب من عوائد منخفضة المخاطر.
وترى الدراسة أن هذه الفرضيات لا تنسجم مع التوجهات الاقتصادية الوطنية، ما يستدعي إعادة تقييمها.
دعوة لنموذج استدامة متكامل
وتخلص الدراسة إلى أن معالجة هذه التحديات تتطلب تبني نهج متكامل لإدارة الاستدامة المالية، يقوم على:
- بناء نموذج ديناميكي للاستدامة المالية يحاكي أثر أي تعديل تشريعي قبل إقراره.
- تعزيز حوكمة الاستثمار ورفع مستوى الشفافية والمساءلة.
- تطوير أدوات إنذار مبكر تتيح قراءة آنية لمؤشرات الاستدامة وربطها بإجراءات تصحيحية.
- إعادة هيكلة صندوق الاستثمار وتنويع مصادر العائد.
كما تشدد الدراسة على أن الحوار الوطني حول القانون خطوة إيجابية، إلا أن خصوصية قانون الضمان تتطلب أن يكون النقاش مبنياً على نماذج مالية دقيقة، وليس على الانطباعات أو الاعتبارات الشعبوية.



