*
الثلاثاء: 07 نيسان 2026
  • 06 نيسان 2026
  • 11:30
شافوني قالوا متهني
الكاتب: عماد داود

الجراح يداوي الجروح. كل الجروح. إلا جروحه!
هذا ليس استثناءً. هذا شرط التوظيف!
جورج وسوف غنّى يومًا: شافوني قالوا متهني، من كثر الفرح بيغني. لم يكن يغني. كان يكتب تشخيصًا! والتشخيص لم يتغير — تغيّر فقط من وقف على الحافة!
في صباح الثاني من نيسان، ألقى طبيب مقيم في مستشفى الجامعة الأردنية بنفسه من الطابق الرابع. ثلاث سنوات في الطب. جامعة بريطانية. كاميرات المراقبة رصدت كل شيء — لم ينزلق، لم تدفعه ريح. اختار النافذة. ثم اختار السقوط!
قبل أسبوعين لاحظ رئيس القسم تغيرات. أعطاه المستشفى إجازة مرضية. طلب تقريرًا طبيًا للعودة. الطبيب عاد يوم الثلاثاء. رُفض. فعاد الخميس من دون علم الإدارة.
ومن النافذة، إلى الأسفل!
النظام يُعلّم الطبيب أن يصمد لأن المرضى ضعفاء. يُعلّمه أن يُداوي لأن هذا ما درس من أجله. ثم يتركه وحيدًا مع جروحه — تلك التي لا يُسمح له بتسميتها، لأن الطبيب لا يمرض، والمقيم لا ينهار، والنظام لا يعترف إلا بما يستطيع تجاهله!
فيصمد. ويصمد. ويصمد.
حتى يصبح الصمود هو الانهيار نفسه!
الإجازة المرضية التي أُعطيت لم تكن رعاية. كانت إبعادًا مُنظَّمًا! والتقرير الطبي المطلوب لم يكن بروتوكولًا. كان حاجزًا بلغة طبية!
حين عاد يوم الثلاثاء ورُفض، لم يكن عنيدًا.
كان يصرخ بالطريقة الوحيدة المتبقية: أعيدوني إلى المكان الوحيد الذي أعرفه....
وحين مُنع من الباب، ذهب إلى النافذة!
المؤسسة تفتح كاميرات المراقبة بعد السقوط. لا تفتح ملفات الدوام قبله. لأن التوثيق لا يُلزم. والفحص يُلزم كل شيء!
لا أحد يسأل الطبيب: ماذا تحتاج؟
يُسأل: كيف حالك؟
"كيف حالك" سؤال يريح السائل.
"ماذا تحتاج" سؤال يُلزمه.
والفرق بين السؤالين هو الطابق الرابع بأكمله!
الطبيب الذي يرى الموت كل يوم ثم يعود إلى غرفة لا تتسع إلا للكتاب والأرق — يعرف اسم مرضه! لكنه لا يستطيع أن يقوله! لأن المكان الذي درّبه على الشفاء لم يُدرّبه على الاعتراف بأنه مريض!
النظام لا يسقط في لحظة.
يسقط نافذةً نافذة!
وحين تُغلق ملفاته تبقى النافذة مفتوحة — لمن يأتي بعده، ولمن يقف الآن على حافة لا نراها، يداوي نهارًا وينزف ليلًا!
شافوني قالوا متهني!
الجدران لا تتحدث.
لكنها سمعت كل شيء.
وحين تتحدث في النهاية —
لا تختار الكلام...
تُشير إلى النافذة!

مواضيع قد تعجبك