*
الاربعاء: 01 نيسان 2026
  • 31 آذار 2026
  • 20:48
لماذا يثير كتاب لطه حسين جدلاً منذ مئة عام

خبرني - صدر في مصر قبل مئة عام كتاب أثار الكثير من النقاشات والمعارك الفكرية حول قضايا الإسلام والنقد التاريخي والأصالة والمعاصرة، وهي سجالات لا تزال تثير جدلاً حتى يومنا هذا.

ففي عام 1926 صدرت الطبعة الأولى من كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين، ما سيكون بداية جدل صاحب مؤلف الكتاب طيلة حياته التي شهدت العديد من المحطات البارزة والإسهامات الثقافية، وهي أعمال جعلت الكثير من أنصاره يخلعون عليه لقب "عميد الأدب العربي".

الكتاب، كما يتضح من عنوانه، هو بحث في الشعر العربي القديم في المرحلة السابقة على الإسلام والتي تعرف بـ"الجاهلية".

فلماذا أثار كتاب لأستاذ جامعي في السادسة والثلاثين من عمره كل هذا الجدل وتسبب في نقاشات داخل البرلمان ومحاكمة صاحبه؟

الكاتب
يجسّد كتاب "في الشعر الجاهلي" طبيعة شخصية طه حسين آنذاك، التي كانت تميل إلى الرؤية النقدية للتراث والنزوع إلى التجديد.

فسيرة طه حسين الذاتية، كما وردت في كتابه "الأيام"، تظهر أن إعمال العقل وتحدّي المسلّمات كانا من سمات الصبي القادم من صعيد مصر، وقد صاحبته هذه الصفات خلال دراسته في الأزهر، ما أدّى إلى صدام مع كل من أهله وشيوخه في أكثر من مرة.

ومع متابعة الشيخ طه دراسته في الجامعة الأهلية (جامعة القاهرة لاحقاً) ثم جامعة السوربون بفرنسا وحصوله على الدكتوراه من الجامعتين، ظهر واضحاً انجذابه للثقافة الغربية، خاصة مناهجها الفكرية، رغم تأثره الكبير بالثقافة العربية الإسلامية، إذ عيّن مدرساً للتاريخ اليوناني والروماني في الجامعة المصرية ثم مدرساً للأدب العربي.

وخلال تدريسه للأدب العربي بدأ طه حسين يطرح على طلابه تساؤلات حول أصول الشعر الجاهلي، ثم قرر أن يجمع خلاصة هذه المحاضرات في كتاب " في الشعر الجاهلي".

الكتاب
 

في الصفحات الأولى من الكتاب يصدم طه حسين قراءه بالقول إن أبحاثه في الشعر الجاهلي قادته إلى نتيجة صادمة وهي أن "الكثرة المطلقة مما نسميه شعراً جاهلياً ليست من الجاهلية في شيء، إنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر ما تمثل حياة الجاهليين".

ولكن كيف توصل طه حسين إلى هذا الاستنتاج الصادم الذي مفاده أن أغلب الشعر الجاهلي زائف النسب وقد تم اختلاقه لاحقاً بعد ظهور الإسلام؟

يشدد طه حسين على أنه التزم في كتابه بمنهج الشك الذي طبقه الفيلسوف الفرنسي ديكارت "أريد أن اصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث. فالقاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلواً تاماً".

ويحذر طه حسين قراءه من أن هذا المنهج "لا ينحاز لأي قومية أو عصبية أو عقيدة".

ويرى الكاتب أن ما ورد إلينا من الشعر الجاهلي لا يعكس الحياة الدينية والسياسية في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، بعكس القرآن الذي كان يخاطب الجاهليين بلغتهم ويناقشهم في أمور حياتهم فيؤمن به فريق ويجادل فيه فريق آخر، فالقرآن وحده هو "النص العربي القديم الذي يستطيع المؤرخ أن يطمئن إلى صحته".

في الصفحات الأولى من الكتاب يصدم طه حسين قراءه بالقول إن أبحاثه في الشعر الجاهلي قادته إلى نتيجة صادمة وهي أن "الكثرة المطلقة مما نسميه شعراً جاهلياً ليست من الجاهلية في شيء، إنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر ما تمثل حياة الجاهليين".

ولكن كيف توصل طه حسين إلى هذا الاستنتاج الصادم الذي مفاده أن أغلب الشعر الجاهلي زائف النسب وقد تم اختلاقه لاحقاً بعد ظهور الإسلام؟

يشدد طه حسين على أنه التزم في كتابه بمنهج الشك الذي طبقه الفيلسوف الفرنسي ديكارت "أريد أن اصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث. فالقاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلواً تاماً".

ويحذر طه حسين قراءه من أن هذا المنهج "لا ينحاز لأي قومية أو عصبية أو عقيدة".

ويرى الكاتب أن ما ورد إلينا من الشعر الجاهلي لا يعكس الحياة الدينية والسياسية في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، بعكس القرآن الذي كان يخاطب الجاهليين بلغتهم ويناقشهم في أمور حياتهم فيؤمن به فريق ويجادل فيه فريق آخر، فالقرآن وحده هو "النص العربي القديم الذي يستطيع المؤرخ أن يطمئن إلى صحته".

يشير طه حسين إلى أن الدراسات الحديثة أظهرت وجود خلاف جوهري بين لغة أهل جنوب الجزيرة العربية، وهي المنطقة التي يفترض، وفق الروايات القديمة، أنها شهدت نشأة العربية، وبين لغة أهل الشمال، الذين اكتسبوا هذه اللغة لاحقاً بحسب الروايات نفسها. ويتساءل طه حسين: كيف يمكن تفسير هذا التباين في ضوء التشابه بين لغة شعراء الجاهلية في الجنوب ونظرائهم في الشمال؟

لكن طه حسين عندما يشدد على ما يراه تبايناً بين لغة العرب العاربة في الجنوب، واللغة التي كان يتحدث بها العرب المستعربة في الشمال، والذين ينسبون إلى النبي إسماعيل، يأتي بفقرة سيكون لها الكثير من التبعات عليه لاحقاً: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، لكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها".

ويرى طه حسين أن انتحال الشعر الجاهلي كان له عدد من الأسباب منها ما يتعلق بالسياسة والدين والخلافات المذهبية بين الفرق الإسلامية والنزعات القبلية.

ويستشهد طه حسين بروايات من التراث القديم تفيد بانتحال أشعار جاهلية لأغراض مختلفة.

ويشدد الكاتب على أن انتحال التراث ليس قاصراً على العرب، بل وجد عن اليونان والرومان.

كما يستشهد صاحب "في الشعر الجاهلي" بالروايات التي جاءت في كتب التاريخ عن أبيات شعر نُسبت إلى الجن بعد قتلهم المزعوم للصحابي سعد بن عبادة، للتشكيك في صحة نسب الشعر القديم.

كذلك يوجه الكتاب سهام النقد إلى رواة الشعر الجاهلي الذين عرف عنهم "المجون وإسرافهم في اللهو والعبث" .

ويشكك طه حسين في صحة الكثير من الشعر المنسوب لشعراء جاهليين، مثل امرؤ القيس وعمرو بن كلثوم، وما جاء عن سيرتهم.

الردود والانتقادات
خرجت العديد من المقالات والكتب التي تندد بما جاء في الكتاب.

الكثير من سهام النقد وجهت إلى ما جاء في الكتاب بخصوص الإسلام ونبيه والقرآن، رغم أن البعض انتقد أيضاً منهج طه حسين والأدلة التي قدمها.

بل وفي تقرير رفعه رجال دين إلى شيخ الأزهر وقتها، محمد أبو الفضل الجيزاوي، وُصف الكتاب بأنه "مملوء بروح الإلحاد والزندقة".

ومن أبرز الكتب التي صدرت في العام ذاته رداً على طه حسين كتاب "تحت راية القرآن" للأديب المصري مصطفى صادق الرافعي، وكتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" للشيخ الأزهري محمد الخضر حسين، الذي سيتولى لاحقاً منصب شيخ الأزهر.

ومن بين الانتقادات التي وجهت لطه حسين أن حديثه عن أن المنهج الذي اتخذه هو أمر جديد يتجاهل أن "القدماء من المسلمين درسوا علوماً شتى ولم يتلقوها كما يتلقاها الإمعة من الرجال بمتابعة وتقليد"، كما جاء في كتاب الخضر حسين.

أما الرافعي فيرى أن طه حسين لم يلتزم بنهج ديكارت، فهو "لا يبحث كما يدعي وإنما يقرر تقريراً. وشتان بين بحث يراد منه ما ينتجه من غير تعيين لنتيجة محتومة، وبين تقرير النتيجة التي يساق لها البحث وتجمع لها الأدلة".

كما انتقد معارضو طه حسين الأدلة التي قدمها من التراث الإسلامي للتدليل على رأيه، ولعل من أبرز تلك الانتقادات قولهم إنه حرف رواية في التراث العربي تقول إن أبو عمر بن العلاء، الذي ينتسب إلى عرب الشمال، قال "ما لسان حمير(قبيلة يمنية) وأقاصي اليمن بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا"، بينما ينقلها طه حسين بشكل مختلف لتصبح "ما لسان حمير بلساننا، ولا لغتهم بلغتنا".

كذلك قال العديد من نقاد طه حسين إن الآراء الواردة في كتابه منقولة مما ذهب إليه أستاذ اللغة العربية في جامعة أوكسفورد ديفيد مرغليوث، الذي كان قد نشر مقالاً في عام 1925 شكك فيه في وجود شعر عربي قبل الإسلام.

ورغم أن طه حسين نفى لاحقاً أنه أطلع على تلك المقالة قبل صدور كتابه إلا أن تلك التهمة ظلت واردة في الكثير من الكتابات الناقدة لطه حسين حتى بعد وفاته.

كما دافع طه حسين عن نفسه بمقالات وخطابات رسمية مشدداً على كونه "مسلماً يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر". بل وقد قام بوضع ما تبقى من نسخ الكتاب تحت تصرف الجامعة.

لكن كل هذا لم يكن كافياً بالنسبة لخصومه.

معارك السياسة
كان طه حسين قد أهدى كتاب "في الشعر الجاهلي" إلى السياسي المصري عبد الخالق ثروت، أحد أقطاب حزب الأحرار الدستوريين، وهو الحزب الذي انتمى إليه طه حسين ثقافياً دون أن ينتسب إليه سياسياً.

وكانت مصر قد شهدت قبل عام من صدور كتاب طه حسين معركة ثقافية وسياسية حول كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق، الذي انتسب ثقافياً هو الآخر إلى حزب الأحرار الدستوريين.

كان حزب الأحرار الدستوريين قد جمع حوله عدداً من المثقفين المصريين، وذلك رغم كونه أقرب للقصر الملكي منه الجماهير إذ لم يكن يحظى بالشعبية الجارفة التي تمتع بها حزب الوفد وزعيمه سعد زغلول.

وكانت البلاد تحكمها في عام 1926 وزارة ائتلافية بين الوفد، الذي كان زعيمه سعد زغلول يترأس البرلمان، والأحرار الدستوريين، الذين ألت إليهم رئاسة الحكومة.

وكان بين الوفد وطه حسين نوع من العداوة إذ دأب الأخير على الهجوم على الوفد وزعيمه والدفاع عن نهج الأحرار الدستوريين، بحسب ما جاء في كتاب " طه حسين...جدل الفكر والسياسية" للمؤرخ المصري أحمد زكريا الشلق.

وجاء صدور الكتاب ليتحول البرلمان المصري لساحة لمناقشة أفكار طه حسين، في أجواء امتزجت فيها الأهواء السياسية بالقناعات الفكرية والدينية.

إذ شن نواب من حزب الوفد هجوماً قاسياً على الكتاب بينما دافع عنه الأحرار الدستوريون، وكاد الأمر أن يُحدث أزمة تهدد الائتلاف الحاكم ما دفع سعد زغلول إلى محاولة احتواء الأمر. وفي النهاية تقرر أن يكتفي المجلس بالتأكيد على مصادرة الكتاب على أن تكون الكلمة الأخيرة للقضاء.

القضية
يسرد كتاب "محاكمة طه حسين" للروائي المصري خيري شلبي، كيف انتقل النقاش حول الكتاب إلى ساحات القضاء. إذ تلقت النيابة المصرية ثلاثة بلاغات ضد طه حسين وكتابه، كان أحدها من شيخ الأزهر، وأخر من طالب في الدراسات العليا بالأزهر يدعى الشيخ خليل حسين، وثالث من عبد الحميد البنان، العضو في مجلس النواب المصري.

ونظراً لتغيب طه حسين خارج البلاد فقد أرجأت النيابة التحقيق معه حتى عودته. وفي أكتوبر/ تشرين الأول بدأ التحقيق الذي باشره رئيس نيابة مصر محمد نور.

ويظهر محضر التحقيق أن التحقيق مع طه حسين تعلق باتهامات أربع هي "إهانة الإسلام" بتشكيكه في تاريخية الرواية القرآنية عن النبيين إبراهيم وإسماعيل، وحديثه عن القراءات السبع وزعمه "أنها غير منزلة من عند الله"، وقوله إن من أسباب انتحال الشعر الجاهلي "تعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه"، وأخيراً "إنكاره أولوية الإسلام في بلاد العرب".

وتظهر أوراق القضية أن رئيس نيابة مصر ناقش طه حسين في الأدلة العلمية التي قدمها في كتابه والمنهج الذي سار عليه.

فهو يقول إن طه حسين لم يقدم إجابات على أسئلة طرحها في كتابه، كما ينتقد "عدم دقة طه حسين في بحثه".

كذلك لم يخل التحقيق من انتقاد لما جاء في الكتاب بشأن الرواية القرآنية عن النبيين إبراهيم وإسماعيل، كما قال إن حديث طه حسين عن نسب النبي "لم يكن لائقاً".

لكن في المقابل نجد المحقق المصري يقول إن الحديث عن القراءات السبع هو "بحث علمي لا تعارض بينه وبين الدين".

كما يشيد رئيس النيابة بسلوك طه حسين "طريقاً جديداً حذا فيه حذو العلماء من الغربيين" قبل أن يعود ويقول إن طه حسين "قد سلك طريقاً مظلماً، فكان يجب عليه أن يسير على مهل، وأن يحتاط في سيره حتى لا يضل، ولكنه أقدم بغير احتياط، فكانت النتيجة غير محمودة".

وفي النهاية يصدر محمد نور حكمه بحفظ التحقيق مع طه حسين: "وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها في البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها. وحيث إنه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر. لذلك تحفظ الأوراق إداريا".

"ليس كلّه صحيحاً ولا كلّه منتحلاً"
 

لكن كيف يمكن تقييم ما جاء في كتاب "في الشعر الجاهلي" عن انتحال الشعر القديم في ضوء الأدلة الأثرية والأبحاث اللغوية والأدبية المعاصرة؟

يقول الدكتور وائل فاروق، أستاذ الدراسات العربية ومدير المعهد الثقافي العربي في الجامعة الكاثوليكية في ميلانو، إن عدم احتواء النقوش الأثرية على نصوص شعرية "لا يعني بالضرورة عدم وجود تلك الأشعار، لأن وظيفة النقوش لم تكن أدبية في الأساس، بل كانت تذكارية أو دينية أو جنائزية. لذلك يميل كثير من الباحثين اليوم إلى موقف أكثر توازناً من موقف طه حسين، وهو أن الشعر الجاهلي ليس كلّه صحيحاً ولا كلّه منتحلًا، بل هو مدوّنة تاريخية معقّدة تشكّلت عبر طبقات من الرواية والانتخاب وإعادة الصياغة، خاصة في العصرين الأموي والعباسي".

أما عن آراء طه حسين في نشأة اللغة العربية، فيشدد الدكتور وائل على أن "المشكلة في حجة طه حسين أنها افترضت وجود وحدة لغوية سابقة يجب أن تظهر في النقوش، بينما تشير الدراسات الحديثة إلى أن الجزيرة العربية كانت فضاءً لغويًا متعددًا، حيث تعايشت لغات سامية مختلفة. وهذا التنوع اللغوي لا ينفي وجود تقليد شعري، بل ينبّهنا إلى أن عربية الشعر الجاهلي ليست بالضرورة انعكاساً مباشراً للغة الحياة اليومية".

وبحسب حديث الأكاديمي المصري المقيم في إيطاليا مع بي بي سي عربي، فإن الدراسات المقارنة بين اللغات السامية تشير إلى أن العربية تطورت ضمن ما يُسمّى باللغات السامية الوسطى، وهي مجموعة تضم العربية والعبرية والآرامية. فالعلاقة بين العربية الفصحى ولغات اليمن القديمة ليست علاقة "أصل وفرع"، بل علاقة "أقارب".

أما من حيث الجغرافيا التاريخية، فيشير الدكتور وائل إلى أن كثيراً من الباحثين اليوم يرون أن العربية، بوصفها لغة متميزة، تطورت أساساً في شمال ووسط الجزيرة العربية، وليس في الجنوب، وأن انتشارها الواسع حدث تدريجيًا قبل الإسلام ثم تسارع بعده.

ويرى الدكتور وائل فاروق أن طه حسين يجسّد "اللحظة التأسيسية للحداثة العربية نقدياً، لحظة تحتفي بالتراث قدر احتفائها بالعلم الحديث. وهذا اللقاء، وليس الصدام، بين التراث والحداثة في عقل طه حسين، هو ما يجعل كتاب في الشعر الجاهلي حاضرًا إلى اليوم بوصفه نصاً مؤسِّساً في تاريخ التفكير النقدي العربي الحديث".

ما بعد الشعر الجاهلي
 

بعد قرار حفظ التحقيق معه، قرر طه حسين إصدار نسخة منقحة من الكتاب خلت من الأجزاء التي أثارت الكثير من الجدل تحت عنوان " في الأدب الجاهلي".

ومع مرور السنوات بدأت كتابات طه حسين في التاريخ الإسلامي تأخذ منحى أقل تصادماً مع الآراء السائدة، كما هو الحال في كتابيه "على هامش السيرة" و"الشيخان". لكن هذا لم يحل دون دفاعه عن التوجهات الغربية الثقافية مثل ما جاء في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر".

أما مواقفه السياسية فقد شهدت تبدلاً إذ انتقل من تأييد حزب الأحرار الدستوريين إلى حزب الوفد وتولى منصب وزير المعارف في حكومة رئيس الوزراء الوفدي مصطفى النحاس في أوائل الخمسينيات. وخلال تلك الفترة أصدرت الحكومة بتأثير من طه حسين قانون مجانية التعليم حتى المرحلة الثانوية.

ورغم مرور مئة عام على صدور كتاب الشعر الجاهلي لا يزال الجدل حول طه حسين مستمراً، فهو عند فريق "رائد التجديد والعقلانية النقدية" بينما هو عند فريق آخر "من أبرز دعاة التغريب والانسلاخ عن الهوية الإسلامية". لكن هذا التباين لا يمنع من القول إن حديثه عن المنهج العقلاني الذي لا ينحاز للمسلّمات لا يزال يحظى باهتمام واسع في الأوساط الفكرية والأكاديمية.

 

bbc-logo

مواضيع قد تعجبك