أما في محافظة دير الزور، فقد برزت تشكيلات ذات طابع عشائري مختلَط، منها "مجلس دير الزور العسكري"، التابع لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وفق معهد دراسات الحرب (أي إس دبليو)، الذي يضم مقاتلين من قبائل "العكيدات والبقارة والجبور"، وقد أدّى دوراً في طرد تنظيم الدولة من شرق الفرات.

واجه المجلس لاحقاً تحديات متعلقة بضعف التمثيل القبلي الحقيقي فيه، ما أدى إلى احتجاجات محلية وانتقادات من شيوخ العشائر، وصلت أحياناً إلى اشتباكات مسلحة في الريف الشرقي من المحافظة، وفق تقارير إعلامية سورية.

في الرقة، تشكلت مجموعات محلية انضوت تحت راية "قسد" بدعم أمريكي، وضمّت أفراداً من عشائر "الولدة والسبخة والبوحمد"، لكنها لم تحظَ بتأثير مستقل بل اندمجت وظيفياً ضمن القيادة الكردية العامة لقوات سوريا الديمقراطية.

في إدلب وأريافها، رغم سيطرة فصائل ذات طابع إسلامي متشدد كـ "هيئة تحرير الشام"، فقد كان للعشائر حضور ضمن مجالس محلية أو لجان صلح، لا سيما في مناطق جبل الزاوية وسهل الغاب. لكن لم تشكل هذه العشائر كتلاً عسكرية منظمة بل كانت أقرب إلى الحاضنة الاجتماعية للفصائل المعارضة.

تشير هذه الأمثلة إلى أن التشكيلات العسكرية القبلية في سوريا لم تكن متجانسة لا من حيث الولاء ولا من حيث البنية التنظيمية. فبعضها تطور إلى قوات شبه نظامية، وبعضها اندثر بفعل الضغوط السياسية أو العسكرية. لكنّ العامل القبلي ظل عنصراً حاسماً في تجنيد المقاتلين، وفي بعض الأحيان في تسوية النزاعات المحلية أو فرض السيطرة على موارد معينة، كالنفط أو المعابر.

 

"تقلّب الولاءات ليس خيانة"

يشرح الدكتور حيّان دخّان، الباحث المتخصص في الديناميات القبلية في سوريا، أن انتقاد القبائل بأنها "تغيّر ولاءاتها" تجاه أطراف النزاع لا يعكس الحقيقة الكاملة. فهذه السلوكيات، بحسبه، لا تنبع من "خيانة وطنية" وإنما بسبب وجود خطر وجودي خارجي.

يشير دخّان إلى أنه بمجرد مواجه القبائل لتهديد يُرى أنه أكبر من كل الانتماءات السياسية، فإنها تتوحّد وتختار الدفاع عن أرضها أو شعبها، حتى وإن تطلّب ذلك تعديل الولاء بشكل مؤقت. وهذا النمط كما أوضح دخان "ليس محصوراً في المجتمع القبلي، بل يُرى في كل أنحاء العالم: فالانتماءات تتراجع أمام التهديدات الكبرى".

ولتعزيز هذا الطرح، يستشهد دخان بحالة العشائر الاسكتلندية (clan wars) التي دخلت في صراعات داخلية طاحنة عبر التاريخ، لكن حين جاء اجتياح خارجي أو تهديد من عدوان خارجي، تجمّعت العشائر خلف قيادة موحّدة للدفاع عن الجزيرة، رغم أن خلافاتهم كانت عميقة جداً. هذا الموقف التاريخي، كما يقول دخّان، يذكّر بأن الولاء القبلي "ديناميكي ومتكيّف" بحسب المصالح الأمنية والاجتماعية.

ويخلص دخّان إلى القول: "تغيّر الولاءات لا يعني أن القبائل جميعها على رأي سياسي واحد، بل هو رد فعل استراتيجي لمواجهة خطر وجودي يُهدّد البقاء المجتمعي. هذا تحوّل مؤقت يُفهم في سياق الواقعية السياسية، وليس طوعً أو نزوعاً نحو التبدّل".