نحن قد لا نعيش حربًا مباشرة في الاردن، لكن آثارها بدأت تلامس تفاصيل يومنا، من حديث عن الطاقة، وقلق على المياه، الى أسئلة عن استقرار الموارد وتوفر سلاسل التوريد، في مثل هذه اللحظات، لا تكون المواجهة فقط في غرف القرار الرسمية، بل في البيوت أيضًا، هناك، في أبسط العادات اليومية، تُصنع الفروقات الحقيقية.
الأزمات لا تُقاس او يحدد أثرها فقط بما يحدث في الخارج، بل بكيفية استجابتنا لها داخل بيوتنا ومجتمعاتنا، وحين تلوح مؤشرات ضغط على الطاقة والمياه وسلاسل التوريد، يصبح ترشيد الاستهلاك سلوكًا وطنيًا حتمًا لا يقل أهمية عن السلاح والمقاومة التقليدية، لا مجرد خيار شخصيًا، بل واجبًا وطنيًا. كل لتر ماء يتم توفيره، وكل كيلوواط يتم تقليله، وكل هدر يتم الحد منه، هو مساهمة مباشرة في تخفيف الضغط عن وطنٍ نعيشه فيه ويحاول أن يحافظ على توازنه وتقديم الأفضل لنا.
المشكلة أن كثيرًا من مظاهر الاستهلاك لدينا أصبحت عادية والحصول عليها تحصيل حاصل، رغم أنها في حقيقتها رفاه غير محسوب، مثل إنارة لا تُطفأ، وأجهزة تعمل بلا حاجة، ومياه تُهدر في تفاصيل يمكن ضبطها بسهولة، وموائد تتجاوز الحاجة الفعلية حيث بلغ الهدر قرابة 81.3 كيلوغراما وسجل قطاع الأسر النسبة الأعلى من إجمالي الهدر، في أوقات الرخاء قد تمر هذه السلوكيات دون انتباه، لكن في الأزمات تتحول إلى عبء جماعي.
البيت اليوم لم يعد مجرد مساحة خاصة بل خط الدفاع الأول، ليس المطلوب التقشف القاسي بل الانفاق بذكاء، وتحمل للمسؤولية الخاصة والعامة، أن نستهلك بقدر الحاجة ونعيد التفكير قبل الاستهلاك، وأن نُربّي أبناءنا على أن الموارد ليست مفتوحة بلا حدود ونعزز عندهم ثقافة الترشيد، هذه الثقافة، إن بدأت من الأسرة، تنتقل بشكل تلقائي إلى المجتمع.
كما أن للاقتصاد في كل مناحي الحياة بعدًا نفسيًا مهمًا، حين يشعر الإنسان أنه جزء من الحل، يتراجع القلق ويزداد الإحساس بالسيطرة، والمشاركة الفعلية حتى وإن كانت بسيطة، تُخفف من وطأة القلق والعجز الذي ينتج عن ما تتداوله الاخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، وهذا بحد ذاته عنصر مهم في استقرار المجتمع، والحد من الأثر النفسي على الأطفال.
الدولة تقوم بدورها في إدارة الموارد وتأمين الاحتياجات، لكن قدرتها على الصمود ترتبط أيضًا بسلوك الأفراد، العلاقة هنا تكاملية وضرورية، سياسات عامة من جهة، ووعي فردي وجماعي يومي من جهة أخرى، وكلما كان هناك انسجام بين الجانبين، كانت القدرة على تجاوز الأزمة وتقليل أثرها بشكل افضل.
لسنا بحاجة إلى الخوف بقدر ما نحن بحاجة إلى الحساس بالمسؤولية والمواطنة الفاعلة الحقيقية، ولا إلى المبالغة بقدر ما نحن بحاجة إلى التوازن في تناقل الاخبار والتصرفات والعقلانية، فالأزمات، مهما طالت، تمرّ، لكن ما يبقى هو كيف تعاملنا معها، وماذا تعلمنا منها.
ربما لا نملك التأثير على مسار الحرب والأزمات التي تفرض علينا، لكننا نملك التأثير على طريقة تعاملنا مع تداعياتها، ومن هنا تبدأ أهمية البيت ومسؤولياته، حيث يمكن لكل قرار صغير أن يصنع فرقًا كبيرًا.



