*
السبت: 21 آذار 2026
  • 21 آذار 2026
  • 09:49
باكستان بين الهند والصين
الكاتب: الدكتور سلطان الفالح

تنصرف غالبية الأنظار إلى الحرب الصهيوأمريكية - الإيرانية، متغافلة عن بروز طالبان كلاعب قديم جديد  غير دولي في أفغانستان. إذ تشهد البيئة الجيوسياسية في جنوب آسيا تحولات متسارعة تعكس تداخلًا معقدًا بين اعتبارات القوة الصلبة والناعمة، في سياق إعادة تشكل التوازنات الإقليمية والدولية. ولم يعد تفسير هذا المشهد ممكنًا بالاستناد إلى منطق الردع التقليدي وحده، بل بات يتطلب مقاربة أوسع تأخذ بعين الاعتبار تداخل الأبعاد الجيوسياسية والجيواقتصادية والجيودينية.

وفي هذا الإطار، تبرز باكستان كدولة محورية في بنية النظام الإقليمي، ليس فقط لامتلاكها قدرات نووية تُقدَّر بنحو (160–170) رأسًا نوويًا وفق تقديرات دولية، بل لتموضعها عند تقاطع استراتيجي يربط الخليج العربي بآسيا الوسطى.
وتتجلى أهمية باكستان كذلك في دورها ضمن مبادرة الحزام والطريق التي تقودها الصين، لا سيما من خلال الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني (CPEC)، الذي يربط إقليم شينجيانغ الصيني ببحر العرب عبر ميناء جوادر. ويمنح هذا الممر بكين منفذًا استراتيجيًا بديلًا يقلل اعتمادها على الممرات البحرية التقليدية، ويعزز في الوقت ذاته من اندماج غرب الصين في الاقتصاد العالمي. وعليه، تتحول باكستان إلى بوابة جيواقتصادية رئيسية للصين نحو غرب آسيا.

غير أن أهمية باكستان لا تقتصر على بعدها الجيوسياسي والجيواقتصادي، بل تمتد أيضًا إلى بعدٍ جيوديني يتمثل في طبيعة علاقاتها مع المملكة العربية السعودية. فالعلاقة بين الطرفين، التي تعززت رسميًا من خلال اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في قصر اليمامة بالرياض عام 2025، تمثل نموذجًا لشراكة جيودينية–استراتيجية ذات طابع براغماتي، تجمع بين المصالح السياسية والروابط الدينية والتاريخية. وتشير الاتفاقية إلى أن أي اعتداء خارجي على أحد الطرفين يعد اعتداءً على الطرفين معًا، ما يكرس بعد الردع الجماعي ويعزز أبعاد التعاون الأمني والعسكري. وقد شكلت السعودية عبر عقود مصدر دعم اقتصادي ومالي مهم لباكستان، في حين وفرت الأخيرة عمقًا أمنيًا وعسكريًا لدعم استقرار المملكة في سياقات إقليمية حساسة. ويظل هذا التعاون محكومًا بمنطق التوازن الاستراتيجي الذي تنتهجه باكستان في سياساتها الخارجية، بما يتوافق مع الدور الجيوديني المحوري للطرفين في منطقة الخليج وجنوب آسيا.

ولا خلاف في القول إن مكانة الهند تعززت  كفاعل إقليمي صاعد وبرعاية أمريكية عبر تطوير شبكة من الشراكات الاستراتيجية، من أبرزها علاقتها المتنامية مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد أهم مزودي الهند بالتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيرة وتقنيات الاستخبارات. وتشير تقديرات إلى أن نسبة معتبرة من واردات الهند الدفاعية في بعض السنوات جاءت من إسرائيل، ما يعكس عمق هذا التقارب.

ولا يقتصر هذا التقارب على البعد العسكري، بل يتجاوزه إلى مستوى التلاقي الجيوسياسي، حيث يتقاطع الطرفان في إدراكهما لطبيعة التهديدات الأمنية، وفي سعيهما لتعزيز القدرات التكنولوجية والعسكرية. كما ويقرأ هذا التقارب ضمن سياق أوسع يتصل بإعادة اصطفاف القوى الدولية، خاصة في ظل تقاطع المصالح بين الهند والولايات المتحدة في موازنة صعود الصين. وفي هذا الإطار، يمكن فهم انخراط الهند في مشاريع ربط إقليمي مثل الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي (IMEC)، الذي يعكس توجهًا نحو إعادة تشكيل شبكات التجارة العالمية. وتجدر الإشارة أيضًا، الى تنامي النفوذ الهندي في أفغانستان في ظل حكم طالبان.

فضمن هذا المشهد المركب، يبرز دور الفاعلين غير الدوليين، وعلى رأسهم حركة طالبان، كأحد العناصر المؤثرة في معادلات الأمن الإقليمي. فمنذ نشأتها في سياق الحرب الباردة، شهدت الحركة تحولات في أنماط تفاعلها مع القوى الدولية، ما يعكس طبيعة التنظيمات المسلحة التي تميل إلى التكيف مع توازنات القوة. وفي هذا السياق، تثار في الأدبيات الاستراتيجية فرضيات حول إمكانية توظيف مثل هذه الحركات ضمن استراتيجيات الاستنزاف غير المباشر، خاصة في البيئات الهشة أمنيًا، وإن كانت هذه الفرضيات تظل محل نقاش وغير محسومة. وعلى الصعيد الداخلي، تواجه باكستان تحديات اقتصادية مركبة، تشمل ارتفاع مستويات الدين العام، وضغوط العملة، والتضخم، فضلًا عن تحديات أمنية في بعض الأقاليم. وتقدر حاجتها المستمرة إلى الدعم الخارجي بمليارات الدولارات سنويًا للحفاظ على استقرارها المالي، ما يجعلها عرضة لتقلبات البيئة الدولية وشروط المؤسسات المالية.

ورغم هذه التحديات، تظل باكستان لاعبًا رئيسيًا في معادلة الردع الإقليمي، نظرًا لكونها إحدى الدول النووية في العالم الإسلامي، ولامتلاكها شبكة علاقات تمتد من الصين شرقًا إلى المملكة العربية السعودية غربًا. ويعني ذلك أن أي اختلال في استقرارها قد يفضي إلى تداعيات تتجاوز حدودها الوطنية، لتطال توازنات جنوب آسيا وربما النظام الدولي الأوسع.
وبناءً على ما تقدم، لم يعد الصراع في جنوب آسيا مجرد نزاع ثنائي تقليدي بين الهند وباكستان، بل أصبح ساحة لتقاطع شبكات معقدة من المصالح والتحالفات، تتداخل فيها الأبعاد الجيوسياسية والجيواقتصادية والجيودينية. فهناك تقارب هندي–إسرائيلي برعاية أمريكية ومدعوم بانفتاح على قوى دولية، يقابله تموضع باكستاني ضمن شبكة علاقات تشمل الصين والمملكة العربية السعودية، ضمن إطار توازنات مرنة وليست صلبة.

وعليه، فإن الحفاظ على استقرار باكستان لا يعد خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لتفادي انزلاق المنطقة نحو أنماط تصعيد غير تقليدية، سواء عبر الاحتكاك بين قوى نووية، أو من خلال تصاعد أدوار الفاعلين غير الدوليين، بما قد يعيد تشكيل ملامح النظام الإقليمي بطرق يصعب احتواؤها.

مواضيع قد تعجبك