الدكتور زيد احمد المحيسن
في هذا الشهر الفضيل، حيث تتسامى الأرواح وتصفو القلوب، وتتعاظم معاني البذل والعطاء، نقف بخشوعٍ أمام قاماتٍ شامخة ارتقت وهي تؤدي أقدس المهام؛ شهداء الواجب من مرتبات مكافحة المخدرات، الذين لم يتراجعوا أمام الخطر، ولم يساوموا على أمن الوطن وسلامة أبنائه، بل مضوا بثباتٍ نحو قدرهم، حاملين أرواحهم على أكفّهم، ليحموا مجتمعًا بأكمله من آفةٍ خبيثة تستهدف العقول وتفتك بالمستقبل.
إن المنظومة العسكرية والأمنية ليست مجرد أجهزةٍ تؤدي وظائفها، بل هي نبض الوطن الحي، وسياجه الذي لا يلين، ودرعه الذي لا يُخترق. هناك، على الحدود، يقف الجندي شامخًا، يراقب الأفق بعينٍ لا تنام، ليمنع كل معتدٍ أو متسلل. وفي السماء، يحلّق فرسان الجو، يحمون الأجواء ويصونون السيادة. وفي الداخل، يسهر رجال الأمن، يتتبعون الجريمة، يطاردون الفوضى، ويغلقون الأبواب في وجه العابثين بأمن المجتمع واستقراره. إنها منظومةٌ متكاملة، تعمل بصمت، وتضحّي بلا ضجيج، لنعيش نحن حياةً آمنةً مستقرة.
وفي قلب هذه المنظومة، يقف رجال مكافحة المخدرات في مواجهة واحدة من أخطر المعارك؛ معركة لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تفتك بالأوطان من الداخل. يواجهون شبكاتٍ عابرة للحدود، وأساليب ملتوية، وسمومًا تتخفى في كل صورة، ومع ذلك لا يتراجعون، لأنهم يدركون أن كل شحنة يتم ضبطها، هي حياةٌ تُنقذ، وأسرةٌ تُحمى، ومستقبلٌ يُصان. وحين يرتقون شهداء، فإنهم لا يسقطون، بل يعلون، ولا يغيبون، بل يصبحون نجومًا تهدي درب الوطن.
إننا إذ نودّعهم في هذا الشهر المبارك، لا نقول وداعًا بقدر ما نقول شكرًا؛ شكرًا بحجم الوطن، وامتنانًا يليق بعظمة التضحية. ننعى الأبطال وقلوبنا مفعمة بالفخر، لأنهم جسّدوا أسمى معاني الانتماء، وكتبوا بدمائهم الطاهرة درسًا خالدًا في أن حماية الأوطان ليست شعارًا، بل عقيدةٌ تُترجم بالفعل والتضحية.
لأرواحهم الطاهرة الرحمة والسكينة، ولهم الفردوس الأعلى بإذن الله، ولأسرهم الصابرة كل العزاء والدعاء، فهم شركاء المجد وحملة الأمانة. وسيبقى الوطن، بفضل الله ثم بفضل رجاله، سيفًا لا يُكسر، ودرعًا لا يُثلم، وقلعةً عصيّة على كل من يحاول العبث بأمنه أو استهداف مستقبله. إنها حكاية وطنٍ لا ينام، لأن في عيونه رجالًا نذروا أنفسهم ليبقى آمنًا، عزيزًا، مرفوع الرأس..



