يقرأ هذا المقال سيناريو استراتيجياً محتملاً مبنياً على مسار تصاعدي حقيقي في العلاقة الأمريكية-الإيرانية — لا على وقائع منشورة بعد.
من يقطع جذع الشجرة يرى النتيجة فوراً — وهذا ما يُغريه بالاعتقاد أنه انتهى. لكن الجذر لا يعلم بما جرى فوقه. ويمضي نحو الضوء — كما كان قبل القطع وكما سيكون بعده. ليس لأنه يُقاوم، بل لأنه لا يعرف أن ثمة ما يستدعي المقاومة. وهذا هو الأشد إقلاقاً: أن تحارب شيئاً لا يعرف أنك تحاربه.
خامنئي مات في بيته. ثم لاريجاني — الرجل الذي لا تنعقد من دونه أي تسوية، لأن المشروعية التي يحملها لا تُعيَّن بمرسوم ولا تُورَث بدم، بل تُبنى على عقود من الحضور في كل غرفة مغلقة وكل قرار لا يُكتب. ثم سليماني قائد الباسيج، من كان يمسك الخيط الفاصل بين الأمن الداخلي والانفجار الداخلي في عشرات المدن. ثلاثة رجال رحلوا معاً — والخطأ الذي لا يُغتفر هو الاعتقاد بأنهم كانوا يمثّلون النظام. هم كانوا يمثّلون الكابح! والنظام بلا كابح ليس أضعف — بل هو أكثر خطورة بما لا يُقاس. الكوابح غير المكتوبة لا تموت برصاصة — لكنها تتيه حين لا يبقى من يتذكرها.
الشعوب التي تُقصف من الخارج لا تُحاسب نظامها في الوقت ذاته — تلتفّ حوله بالغريزة حتى لو كانت تحتقره بالعقل. عرف هذا كل محتل في التاريخ، ونسيه في اللحظة ذاتها التي احتاج أن يتذكره.
أمريكا التي تقصف اليوم المنظومة الأمنية الإيرانية هي بالضبط أمريكا التي بنت نواتها الأولى — أهدت الشاه مفاعله النووي عام 1957، وشحنت سراً ألفي صاروخ إلى طهران عام 1986 بينما ريغان يخطب ضد الإرهاب الإيراني! ووبّخت السفير السويسري عام 2003 لأنه أوصل برقية السلام الإيرانية! من يعرف مفاتيحك لا يحتاج إلى طرق الباب — وحين يدخل بالقوة يكتشف أن المفاتيح لا تُفيد إذا غيّر أصحاب البيت الأقفال.
والجذر ليس في طهران وحدها. هو في العراق، حيث الكيانات التي بنتها إيران عقوداً باتت تملك منطقها المستقل عن أي قيادة مركزية — وإزالة القيادة لا تُفككها بل تُحررها. والكيان المُحرَّر من قيده لا يتوقف ولا يتفاوض ولا يعرف متى يكفي.
هذا ما يجعل الأردن أمام سؤال لم يُصَغ له بعد — ليس سؤال الحرب، بل سؤال ما بعدها: من يملأ الفراغ؟ الأردن دفع ثمن كل انهيار في جواره من جيبه الخاص وبصمت مُؤدَّب — ومليون ونصف سوري دخلوا البلاد كأزمة وبقوا كقدر، قبل أن يتحوّل الصمت عنهم من صمت الإنكار إلى صمت الاعتياد. الجار المشتعل لا يحترم الحدود — والحدود التي لا تحميها النيران لا تحميها الخطابات. الصمت الأردني المحسوب ورقة — لكن تاريخ انتهائها لا يستأذن أحداً حين يحين.
وفي كل هذا ثمة طرف لم يُسأل: الشعب الإيراني. الذي لا يختار الحرب ولا يستطيع إيقافها — يقف حيث لا يريده أحد، بين نار أشعلها من يحكمه ونار يُشعلها من يُحرّره، وفي كلتيهما يحترق.
الدخان فوق طهران ليس دخان نهاية — بل دخان إعادة تشكّل. الرؤوس تُقطع والجذر يمضي نحو الضوء. وما يُقلق ليس أن النظام قد يصمد — بل أن ما يصمد قد لا يشبه ما كان. القوة التي كانت لها كوابح باتت بلا كوابح. ومن أزال الكابح ظنّاً منه أنه أزال الخطر ارتكب الخطأ الأقدم في تاريخ الحروب: أنه أخلط بين الرأس والجذر — وظنّ أن القطع فوق الأرض يُريح ما تحتها.
لكن الجذر لا يعرف الراحة. يعرف اتجاهاً واحداً — ويمضي.



