بعد الكتابة عن سلاسل التوريد بوصفها جزءًا رئيسيًا من ديمومة الأمن الغذائي، لا بد من التوقف عند ركيزة لا تقل أهمية، بل تشكّل الأساس الحقيقي لهذه المنظومة، وهي قطاع الأعلاف. فالأعلاف هي في حقيقتها “غذاء للغذاء”، إذ تقوم عليها تغذية الثروة الحيوانية بكافة أشكالها، وعلى رأسها الأبقار، التي تُعدّ من أهم مصادر الإنتاج الغذائي.
فالثروة الحيوانية، وعلى رأسها قطاع الأبقار الذي يضم قرابة 100 ألف رأس ، تمثل مصانع بيولوجية تعتمد جودة مخرجاتها ، من حليب ولحوم ومشتقات ، على استقرار وجودة ما تستهلكه من أعلاف.
إن أي خلل في هذا القطاع، سواء في الأسعار أو الوفرة، سينعكس فوراً على تكلفة التصنيع الغذائي وقدرتنا التنافسية في التصدير.
يتضح حجم الدور الذي يلعبه هذا القطاع في دعم الإنتاج المحلي، ليس فقط على مستوى توفير الغذاء، بل أيضًا في تحفيز التصنيع الغذائي وتعزيز فرص التصدير. فكل منتج غذائي قائم على الثروة الحيوانية، يبدأ فعليًا من جودة واستقرار الأعلاف، ما يجعل هذا القطاع في قلب معادلة الأمن الغذائي.
لا يمكن فصل دعم قطاع الأعلاف عن السياق الجيوسياسي والضغوط الاقتصادية العالمية. في ظل سعي كبرى الشركات العالمية للاستحواذ على مفاصل الإنتاج الغذائي، يصبح تعزيز قطاع الأعلاف المحلي وحمايته نوعاً من المقاومة الاقتصادية.
إن حماية هذا القطاع هي حماية لاستقلالية القرار الوطني، وضمان لأن تظل مائدتنا بعيدة عن تقلبات الأسواق الدولية وضغوط الاستيراد.
ولا يمكن النظر إلى قطاع الأعلاف بمعزل عن المنظومة الرقابية والتنظيمية المرتبطة به؛ إذ تتداخل مسؤوليات عدة جهات رسمية، من وزارة الصناعة والتجارة، إلى الجهات المختصة بالإشراف البيطري، والمطاعيم، والأدوية. وهذا التداخل، وإن كان ضروريًا، إلا أنه يتطلب تكاملًا حقيقيًا في الأدوار، وتنسيقًا فعالًا يضمن استدامة الإنتاج، ويمنع أي خلل قد ينعكس سلبًا على السلسلة الغذائية بأكملها.
إن الاستثمارفي قطاع الأعلاف لم يعد خيارًا، وتطوير تشريعاته هو ضرورة استراتيجية قصوى.
ختامًا ، إذا كانت سلاسل التوريد هي شرايين الأمن الغذائي، فإن الأعلاف هي القلب الذي يضخ الحياة في هذه الشرايين، وأي إهمال في هذا القلب، يعني بالضرورة تهديد المنظومة بأكملها، هي الخطوات الأولى والحقيقية نحو أمن غذائي لا تهزه الأزمات.



