أصبحت الطائرات المسيرة وصواريخ كروز والطائرات المقاتلة مشهداً مألوفاً لكثير من البحارة على متن ناقلات النفط وسفن الشحن في الخليج، بعدما هددت إيران باستهداف أي سفن تحاول عبور مضيق هرمز، رداً على الهجمات الأميركية-الإسرائيلية.
يقول أمير، وهو بحار باكستاني على متن ناقلة نفط في الإمارات العربية المتحدة غير القادرة على مغادرة المنطقة:
"رأيت طائرات مسيرة إيرانية وصواريخ كروز تحلق على ارتفاع منخفض. كما أسمع هدير الطائرات المقاتلة، لكننا لا نستطيع تحديد الدولة التي تنتمي إليها."
ويضيف أن أكثر ما يخيفه هو احتمال سقوط طائرة مسيرة أو صاروخ جرى اعتراضه على سفينته.
أما هاين، وهو بحار بورمي، فيقول إنه يشاهد مواجهات جوية يومياً: "حتى هذا الصباح تبادلت طائرتان مقاتلتان إطلاق النار بينما كنا لا نزال نعمل"، يقول. "لا يوجد مكان مخصص للاختباء على السفينة، وكان علينا ببساطة أن نركض إلى الداخل."
وأفادت المنظمة التي يرأسها بأنها رصدت سبع سفن على الأقل تقول إنها أُصيبت بمقذوفات وتضررت منذ اندلاع الحرب.
ويقول إن بحاراً قتل في الأول من مارس/آذار على متن ناقلة النفط "سكايلارك"، المسجلة في جمهورية بالاو.
ويضيف الكابتن تشودري أن البحّارة الذين نجوا من الحادثة أصيبوا "بصدمة"، بعد الهجوم الذي اندلع خلاله حريق في غرفة المحركات واضطر الطاقم إلى إخلاء السفينة.
ويتفق بحارة آخرون مع هذا التقييم. ويقول الكابتن م. منصور سعيد، الذي يقود ناقلات نفط، لبي بي سي نيوز إنه يرى أن الفارق ضئيل بين البقاء في الميناء أو في عرض البحر عندما يتعلق الأمر بتجنّب الاستهداف: "إذا أرادوا استهداف سفينتي فسيستهدفونها."
لكنه يضيف أن السفن الكبيرة تكون عموماً أكثر أماناً بعيداً عن الساحل. ويشرح: "في الأحوال الجوية القاسية نتجه دائماً إلى عرض البحر، حيث تتوفر مساحة وعمق أكبر للمناورة. أما في الموانئ والمياه الضيقة، فقد تتسبب الأحوال الجوية في إلحاق الضرر بالسفينة عبر جنوحها أو اصطدامها بجدران الأرصفة."
تعطّل الاتصالات والملاحة
أثار الوضع الهش قلقاً شديداً لدى عائلات البحارة. وبسبب قيام السلطات في إيران بحجب الإنترنت وشبكات الهاتف عن معظم الناس داخل البلاد، بات من الصعب على عائلاتهم الحصول على أخبار عن أماكن وجودهم.
وعلى الرغم من عودة الاتصال أحياناً، فإنه يحدث بشكل غير متوقع وغالباً لفترات قصيرة. ابن علي عباس موجود على متن سفينة في ميناء إيراني قرب مضيق هرمز.
وقد تحدث معه آخر مرة قبل عدة أيام، حين كان يخبره عن هجوم صاروخي. نجا ابنه من الهجوم، لكن بحاراً هندياً أصيب.
يقول علي وهو يبكي: "لقد أخفيت هذا الأمر عن زوجتي وزوجة ابني." ويضيف متأثراً: "بالله عليكم، أرجوكم ساعدوني." ويأمل علي أن يكون ابنه ما زال على قيد الحياة وبخير، وأن يكون انقطاع الاتصال ناجماً عن تعطل أنظمة الاتصالات.
تشويش أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية
يقود سيو-جون سفينة تضم أكثر من 20 فرداً من الطاقم من كوريا الجنوبية وميانمار.
ويقول إن أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية بدأت تتعطل، ما يضيف مخاطر إضافية. ويضيف: "منذ بداية الحرب يحدث تشويش متقطع في نظام تحديد المواقع (GPS)، لكنه ازداد سوءاً كثيراً خلال الأيام الثلاثة أو الأربعة الماضية."
وعندما دخلت سفينتهم إلى دبي اضطر البحارة إلى الملاحة من دون نظام جي بي إس.
ويقول: "لدينا مثل كوري يصف هذا الوضع: كأنه شخص أعمى يتحسس مقبض الباب."
السلامة في البحر
في حين يصعب الحصول على رقم دقيق لعدد البحارة العالقين على السفن في المنطقة، يقدر القبطان أنام تشودري، رئيس جمعية ضباط البحرية التجارية في بنغلادش، عددهم بنحو 20 ألف بحار.
بعضهم في عرض البحر، وآخرون عالقون في الموانئ، لكنه يقول إن من الصعب تحديد أيهما أكثر خطراً.
ويضيف: "قد يظن الناس أن البقاء داخل الميناء آمن، لكن سفناً تعرضت للقصف وهي راسية هناك."
نفاد الإمدادات
إلى جانب القلق على سلامتهم، يخشى كثير من البحارة أن تنفد المياه والطعام قريباً. يقول سيو-جون إن السفينة التي يقودها تملك ما يكفي من الطعام الطازج لمدة 15 يوماً، لكن مياه الشرب أصبحت مصدر قلق.
ويضيف: "يمكن للسفينة إنتاج مياه عذبة عبر تحلية مياه البحر، لكن ذلك يصبح صعباً إذا لم نكن نبحر."
يقول بحار باكستاني يدعى مسعود: "لقد مر شهران بالفعل منذ أن حصلنا على المؤن على متن السفينة."
وقبل الحرب، يقول هاين إن سفينته كانت تقدم وجبات على شكل بوفيه، وكان بإمكان الطاقم الحصول على أطعمة طازجة مثل البيض، إضافة إلى المياه متى أرادوا.
أما الآن فقد فرض نظام حصص، ولم يعد الطاقم يحصل إلا على وجبة واحدة يومياً تتكون من أربع قطع صغيرة من اللحم ووعاء من الخضار المقلية، ولن تكفي الإمدادات المتبقية سوى لشهر واحد.
ويقول بحار باكستاني آخر يدعى زيشان: "حياتنا هنا مهينة للغاية ولدينا القليل جداً من الوقود والطعام."
ويقول أمير: "لا أحد يستطيع أن يكون سعيداً أو مرتاحاً في مثل هذا الوضع. نحاول إبقاء أنفسنا مشغولين بالأعمال اليومية مثل التدريبات وتمارين السلامة والأمن."
ويوافقه هاين، الذي يعمل مهندساً أول على متن السفينة، ويقول: "لا أسمح لنفسي باليأس لأنني مسؤول عن عشرين فرداً آخر من طاقم ميانمار." ويضيف أنه أعد أيضاً خطة طوارئ في حال تدهور الوضع أكثر: "أخبرت فريقي كيف يركضون، ومن أين يقفزون، وماذا يجب أن يحملوا معهم إذا حدث شيء."
حدود التأمين
حتى إذا وصل البحارة إلى اليابسة بعد رسو سفنهم في ميناء آمن، فقد لا تكون هناك طريقة سهلة لعودتهم إلى بلدانهم أو لمغادرة المنطقة.
يقول حمزة إن ابنه، العالق على متن سفينة، من بين البحارة الذين "لا يسمح لهم بالمغادرة" لأن شركاتهم تحتفظ بجوازات سفرهم.
وفي الوقت نفسه قد يواجه البحارة الذين يتركون السفينة خلافاً لعقودهم صعوبات في العثور على عمل لاحقاً، إذ قد تدرجهم شركات الشحن على قوائم سوداء.
يقول أمير إن الوضع يائس، وليس أمامه سوى الأمل بالأفضل والدعاء من أجل سلامة جميع البحارة. كما يحث شركات الشحن على عدم إجبار طواقمها على عبور مضيق هرمز.
ورغم أن هذه المخاوف ما تزال افتراضية، فإنه يخشى أن تتغلب الضغوط المالية على اعتبارات السلامة، ويضيف أنه إذا أصيبت أي سفينة بطائرة مسيرة أو صاروخ فإن البحارة هم الذين يدفعون الثمن البشري، بينما يمكن تعويض الشحنات والسفن عبر التأمين.
ويقول: "لا يمكن لأي تأمين أن يعوض حياة الإنسان." ويرى أن هذه الحرب ستغير قطاع الملاحة البحرية بشكل كبير، ويضيف: "أسلوب هذه الحرب وهدفها مختلفان كثيراً عما رأيناه في السنوات القليلة الماضية. هذه الحرب ستترك آثاراً طويلة الأمد على التجارة في الخليج."
أما الكابتن تشودري فيرى أن البحارة عالقون في أحداث لا يتحملون أي مسؤولية عنها، ويقول: "لا ينبغي استهداف السفن. فعندما تستهدف السفينة فإنكم تستهدفون أيضاً البحارة الذين على متنها، وهم أناس أبرياء."



