*
السبت: 07 آذار 2026
  • 07 آذار 2026
  • 17:30
الأردن على سلك الكهرباء الإقليمي كيف تتحول أنابيب الغاز إلى خطوط للسياسة
الكاتب: د.ايات الشاذلي

بينما تنشغل ممرات “وول ستريت” (Wall Street) بحسابات الربح والخسارة السريعة، وتغرق العواصم الكبرى في صراعات الهوية، هناك لغة أخرى تُكتب بصمت في “الغرف المغلقة” بين عمان وبغداد والرياض. إنها لغة المصالح الطاقية، حيث لم تعد الخرائط تُرسم بالحدود السياسية وحدها، بل بمسارات الكابلات وأقطار الأنابيب. الأردن اليوم لا يقف على هامش الأحداث، بل يسعى ليكون “محور ربط” (Connector State) في قلب منطقة لا تهدأ.
الربط الكهربائي مع العراق ليس مجرد صفقة تجارية. إنه خطوة استراتيجية لتعزيز الاعتماد المتبادل. المرحلة الأولى اكتملت، والعمل جارٍ لرفع القدرة إلى 500 ميغاواط بحلول يوليو 2025، وفقاً لتصريحات مدير عام شركة الكهرباء الوطنية، أمجد الرواشدة. لكن، لنكن واقعيين؛ فالعراق شريك “هش” أمنياً وسياسياً، والرهان عليه يحمل مخاطر عالية. الأردن يدرك أن استقرار الجار هو جزء من أمنه الخاص، لكنه يدرك أيضاً أن “صاحبك اللي على عيبك بيعينك” هو مثل شعبي يحمل في طياته اعترافاً بوجود “العيوب” والتعقيدات التي تُناقش في أروقة القرار بعيداً عن الأضواء.
أما أنابيب الغاز، فهي أدوات سياسية بامتياز، لكنها أدوات “ذات حدين”. تجربة انقطاع الغاز المصري سابقاً لا تزال حاضرة في الذاكرة الأردنية كدرس قاسٍ في أمن الطاقة. اليوم، الأردن لاعب رئيسي في معادلة غاز شرق المتوسط، وهو دور يمنحه نفوذاً، لكنه يضعه أيضاً تحت مجهر القوى الكبرى وضغوطها المتقلبة. أن تكون ممر طاقة يعني أنك تملك مفتاحاً، لكنك أيضاً تصبح هدفاً سهلاً في حال تغيرت موازين القوى. وهنا يبرز رأيي الشخصي في هذا المشهد المعقد: إن قوة الأردن الحقيقية لا تكمن في امتلاك الطاقة، بل في قدرته على “إدارة العجز” لدى الآخرين، وتحويل احتياجاتهم الطاقية إلى ضمانات أمنية وسياسية طويلة الأمد، رغم كل الشكوك المحيطة بموثوقية الشركاء.
الأردن يراهن بقوة على الطاقة المتجددة، حيث بلغت مساهمتها نحو 27%، مع طموح للوصول إلى 50% بحلول 2030. هذا ليس مجرد هدف بيئي، بل هو محاولة للإفلات من “فخ” الاعتماد الكلي على الخارج. تقارير دولية، منها تقديرات البنك الدولي، تشير إلى إمكانية تحول الأردن لمركز للهيدروجين الأخضر باستثمارات قد تصل لـ 28 مليار دولار. لكن السؤال يبقى: هل تستطيع المالية العامة الأردنية المنهكة تحمل كلف هذه البنية التحتية الضخمة دون الغرق في مزيد من الديون؟ إنه تحدٍّ يضع الصورة الطموحة في مواجهة الواقع المالي الصعب.
الربط الكهربائي مع السعودية، الذي يهدف إلى 1000 ميغاواط مستقبلاً، يعمق هذا التشابك. هذه المشاريع تخلق مصالح مشتركة تتجاوز الخلافات السياسية العابرة، لكنها تظل رهينة للتوافقات الكبرى. في منطقة مضطربة، تصبح البنية التحتية للطاقة هي الضمانة الحقيقية للاستقرار، شريطة ألا تتحول إلى “ورقة ضغط” تُستخدم ضد الأردن في لحظات التأزم.
الأردن لا يملك رفاهية الانتظار. في منطقة تُعاد فيها رسم خرائط النفوذ يومياً، من يبني البنية التحتية اليوم يملك أوراق التفاوض غداً. لكن الرهان الحقيقي ليس تقنياً ولا مالياً — بل هو رهان على قدرة دولة صغيرة على الإمساك بخيوط شبكة كبيرة دون أن تُبتلع بها. هذا هو الامتحان الجيوسياسي الحقيقي للأردن في العقد القادم.
 

مواضيع قد تعجبك