في الثامن والعشرين من فبراير، حين أقلعت الطائرات الأردنية لترتب السماء، لم تكن تعلن تفوقاً عسكرياً، بل كانت تكتب بيان سيادة نادر: هذه السماء لنا، وما فوقها قرارنا!! وفي أسبوع تاهت فيه قرارات كثيرة، كان هذا الوضوح وحده وثيقة لا تُقاس!!
لكن السؤال الذي يطرحه الصباح التالي أكثر إيلاماً: السماء لنا… فلماذا لا نملك الضوء؟!!
تحت هذه الأرض طبقة من الصمت اسمها الطاقة!!
الصخر الزيتي الذي يرقد تحت أكثر من ستين بالمئة من مساحة الأردن ليس ثروة، بل قدرة معطلة!!
والشمس التي لا تغيب ثلاثمئة وستة عشر يوماً في السنة ليست حدثاً طبيعياً، بل تذكير يومي: كل صباح يمر دون أن يتحول إلى قرار هو صباح ناقص!!
الأردن الذي يملك هذا وذاك يشتري جزءاً من طاقته من الخارج، ليس لأن المورد نضب، بل لأن الفجوة بين ما تملكه دولة وما تقرر أن تفعله؛ هي وحدها التي تحدد إن كانت ثروتها نعمة أم نقمة!!
الطاقة ليست قطاعاً اقتصادياً، بل عصب السيادة!!
الكهرباء التي تصل إليك في السلك ليست قرارك، بل قرار وتوقيت غيرك!! والغاز الذي يأتي عبر أنبوب... يحمل في جدرانه احتمال الانقطاع!!
ومن يعيش على احتمالية الآخرين يعيش على حافة الظلام!!
المصادر الوطنية، التي تنتج ضوءاً محلياً، هي القوة الحقيقية!
والقدرة على تحويل الصخر الزيتي إلى كهرباء مستقرة، والشمس إلى قرار يومي، تجعل الدولة لا تنتظر دورها، بل تصنعه!!
أوروبا والشرق ينظران اليوم إلى هذا الضوء بعين لم تكن لهما قبل الآن!!
اللافت أن النموذج موجود!!
مشاريع الطاقة المحلية تعمل، والمتجددة باتت تشغل نحو ثلث الشبكة!! إذن التجربة نجحت، والخبرة تراكمت!!
ما لم ينجح بعد هو التعميم، والتحول من استثناء إلى قاعدة!! لأن القاعدة تحتاج جرأة لا تتوفر إلا لمن يعرف أن التأجيل في زمن الاشتعال ليس توفيراً، بل انكشاف!!
هناك سؤال لا يُطرح: لماذا الدول التي تملك طاقتها تصبح أقوى في الأزمات، حتى لو كان اقتصادها أقل تنوعاً؟!!
الإجابة: من يملك لا يُبتز!! ومن لا يملك يدفع ثمناً مضاعفاً: ثمن الطاقة، وثمن الخضوع!!
السماء أثبتت أنها محمية!! لكن السيادة الحقيقية تبدأ حيث تنتهي الطائرات: في قدرتك على إبقاء الضوء مشتعلاً حين يحيط بك الظلام!!
وهذا الضوء لا يأتي من السماء، بل يأتي من قرار تحت الأرض!! لأن الضوء عصب الأرض!!
والدولة التي تشتري ضوءها لا تملك صباحها كاملاً!!
الأردن الذي يحمي سقفه يقف اليوم أمام اختبار أعظم: أن يجعل الضوء سيادة لا خدمة!!
وأن يحوّل الشمس التي تشرق كل يوم من حدث طبيعي إلى قرار سياسي!!
الضوء ليس كهرباء تمر في الأسلاك!! الضوء قرار!! ومن يملك القرار… يملك الصباح!!
الفارق بين دولة تضيء نفسها ودولة تُضاء هو الفارق بين أن تكون صاحب الصباح… أو نزيلاً فيه!!
السماء قالت كلمتها في فبراير!! الآن على الأرض أن تقول كلمتها!! ليس في خطاب، بل في قرار واحد: أن نقرر أن ما نملكه فوقنا وتحتنا لا يبقى احتمالاً، بل يتحول إلى قوة!! لأن الفرص مثل الضوء لا تختفي فجأة!! هي فقط تنتقل إلى من يعرف كيف يحولها إلى قرار!!
نحن لا نملك صباحنا كاملاً!!
ليس لأن الشمس لا تشرق، بل لأن الضوء الذي يملأ الأفق كل يوم لم يتحول بعد إلى قرار!!
الصبح لا يملكه من يستيقظ فيه… بل من يقرر كيف سيكون!!
والدولة التي تتحكم في الضوء تتحكم في التاريخ!!
الضوء هو السيادة… والسيادة هي الضوء!!



