خبرني - طرحت فكرة تقليص عدد ايام العمل الى اربعة ايام بدلا من خمسة ايام. ويبدو ان هذه الفكرة قد تم طرحها باستعجال ودون دراسة متكاملة وشاملة لابعادها المختلفة. حيث بدا واضحا الخلط بين اسبوع العمل المكثف كنوع من انواع العمل المرن الذي هو حق للموظفين وبين جعل دوام دوائر القطاع العام اربعة ايام بدل خمسة، وهذا الخلط كان واضحا في اللقاءات الاعلامية والصحفية في تطوير القطاع العام. فاسبوع العمل المكثف كشكل من اشكال العمل المرن يسمح للموظفين بإتمام ساعات العمل الأسبوعية الكاملة (مثلا في القطاع العام35 ساعة موزعة على خمسة ايام) في عدد أيام أقل كالعمل لأربعة أيام بدلاً من خمسة، فيستفيد الموظف من هذا اليوم لتحسين صحته النفسية من خلال خلق التوازن بين عمله وحياته الشخصية، كقضاء وقت اطول مع العائلة أو الاعتناء بها او انجاز الاعمال الشخصية، كما ان منظمته تحصل على فوائد بالمقابل كتحسين الانتاجية وتوفير التكاليف. وهذا الشكل من اشكال العمل المرن موجود في الاردن من خلال نظام رقم (44) لسنة 2024 والمسمى نظام العمل المرن الصادر بمقتضى المادتين (2) و (140) من قانون العمل رقم (8) لسنة 1996، فنحن هنا لا نعيد اختراع العجلة وليس جديدا على بيئة العمل في الاردن. فإذا كان المقصود من هذه الفكرة هو تبني اسلوب اسبوع العمل المكثف، فالحل بسيط ويتمثل في اضافته الى تعليمات الدوام الرسمي والدوام المرن لسنة 2025، وتحديدا في المادة (2/أ) بتعريف اسبوع العمل المكثف والى المادة (8) كشكل رابع من اشكال العمل المرن. ولا داعي لعمل استفتاء للموظفين كونه حق لهم بموجب القانون وتماشيا مع الممارسات الادارية الحديثة، وهو ما دفع العديد من دول العالم لوضعه في اطار قانوني وتشريعي يجبر ويشجع المنظمات في القطاعين العام والخاص على تبنيه في حال رغب الموظف في الاستفادة منه وفق ظروفه ومتطلبات حياته.
اما اذا كانت الفكرة تتمحور حول تقليص الدوام لدوائر القطاع العام لتصبح اربعة ايام بدلا من خمسة من خلال زيادة ساعات العمل اليومي للموظف، وعليه يتم تعطيل دوائر القطاع العام وكافة موظفيه لثلاثة ايام، فإن هذه الفكرة تبدو غير منطقية من الناحية العملية، وهو ما يفسر عدم تطبيقها بشكل رسمي وقانوني في القطاع العام في اي من دول العالم وخاصة تلك التي سبقتنا كثيرا في مجال الرقمنة، ولا يمكن تطبيقها على ارض الواقع في الاردن- على الاقل في المستقبل القريب- لوجود عدة تحديات ومعوقات كعدم اكتمال رقمنة الخدمات الحكومية وسائر العمليات الادارية فيها وتحديدا الربط البيني بين الدوائر، واعتقد ان استشارة مجلس تكنولوجيا المستقبل مهمة لتأكيد الجاهزية الرقمية لإي تحول في انظمة العمل في دوائر القطاع العام الاردني. كما ان هناك تحديات اجتماعية واقتصادية تتعلق بطول فترة غياب الموظف/الموظفة عن اسرته وخاصة الاطفال في المدارس والحضانات والتي يجب دراستها بعمق، اضافة الى الاثار السلبية على قطاعات اقتصادية محلية ودولية ترتبط بدوام الموظفين كالنقل والمواصلات وتلك التي تتطلب تفاعلا مباشرا ومستمرا مع دوائر القطاع العام، كما ان هذا التوجه يتعارض مع بعض التشريعات والقوانين والانظمة كنظام ادارة الموارد البشرية وتعليمات العمل الاضافي.
ان تطوير القطاع العام يجب ان يهتم بالقضايا الجوهرية والاساسية التي يلمس المواطن اثرها كما وجه جلالة الملك المعظم، كرفع مستوى الحوكمة وسيادة القانون والعدالة، وتحسين مستوى الخدمات، وقياس اداء القيادات الادارية العليا ومسائلتها، وتطوير مؤشرات اداء فعلية لمستوى اداء دوائر القطاع العام، واجراء عملة تقييم واسعة لدور الدوائر المعنية بتطوير القطاع العام للحكم على جدوى وجودها، واعادة تقييم حقيقي ومحايد للمرحلة السابقة من خارطة تحديث القطاع العام لمعرفة مواطن النجاح والفشل وحل اشكاليات تضارب الادوار قبل البدء في طرح افكار قد لا تناسب واقع الادارة العامة في الاردن،. ويبقى السؤال: هل تقليص دوام دوائر القطاع العام الى اربعة ايام، اصلاح حقيقي ام قرار متعجل؟



