*
Tuesday: 24 February 2026
  • 24 فبراير 2026
  • 15:39
ماذا يحدث للدراما الأردنية
الكاتب: الدكتور ماجد عسيلة

شهدت الدراما الأردنية خلال مواسم رمضان الأخيرة حالة من الجدل الواسع بين الجمهور والنقاد، حيث طرحت تساؤلات حقيقية حول مستوى النصوص، وأداء معظم الممثلين الشباب، وقدرة الأعمال المنتجة على منافسة ما يعرض في الساحة العربية.

هذا الجدل لا يمكن اختزاله في انطباعات عابرة، بل يعكس حاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لبنية الإنتاج الدرامي وآلياته في الأردن.

عرفت الدراما الأردنية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مرحلة مهمة من الحضور العربي، وقد ارتبطت تلك المرحلة بأعمال اجتماعية وتاريخية شكلت جزءا من الذاكرة الثقافية المحلية، ورغم محدودية الإمكانات التقنية آنذاك، فإن قوة النص وعمق الفكرة والالتزام بقضايا المجتمع، منحت تلك الأعمال قيمة فنية وإنسانية مستدامة، لم يكن النجاح مرتبطا بحجم الميزانية بقدر ما كان مرتبطا بوعي الكاتب، وخبرة المخرج والتزام الممثل برسالته الفنية.

في المقابل يلاحظ اليوم أن بعض الأعمال الرمضانية تعاني من ضعف في البناء الدرامي وتكرار في الأفكار، واعتماد مفرط على الكوميديا السطحية أو المواقف المفتعلة، بما يضعف تأثيرها ويحد من قدرتها على ملامسة قضايا المجتمع الحقيقية، كما أن الأداء التمثيلي لدى عديد الوجوه الجديدة يكشف عن فجوة واضحة في التدريب الأكاديمي والاحتراف المهني، الأمر الذي ينعكس مباشرة على جودة المنتج النهائي.

لا يمكن الحديث عن واقع الدراما الأردنية دون مقارنتها بما تنتجه صناعات درامية راسخة مثل سوريا ومصر ولبنان، حيث استفادت تلك الدول من وجود معاهد فنية متخصصة فيها، وتراكم خبرات إنتاجية واستثمارات مستمرة في تطوير الكوادر البشرية.

إن الفارق لا يكمن فقط في حجم الإنفاق، بل في وجود منظومة متكاملة تبدأ بالتعليم والتدريب، وتمر بآليات تقييم النصوص، وتنتهي بسياسات تسويق وتوزيع احترافية، لذا فإن معالجة التراجع لا تكون عبر الاكتفاء بالدعوة إلى "دعم الفنان الشباب" بمعناه المجرد، بل من خلال بناء بيئة مؤسسية واضحة المعالم، المطلوب هو إعادة الاعتبار للتأهيل الأكاديمي في مجالات التمثيل والكتابة والإخراج، وإنشاء أو تفعيل معاهد فنية متخصصة، وتطوير شراكات بين القطاعين العام والخاص لدعم الإنتاج الجاد، كما أن على الجهات المعنية، سواء كانت رسمية أو إعلامية، اعتماد معايير أكثر صرامة في اختيار الأعمال التي تعرض في موسم ذي حساسية جماهيرية عالية كرمضان.

النقد هنا لا يستهدف التقليل من جهود الشباب أو إغلاق الباب أمام التجارب الجديدة، بل يسعى إلى ترسيخ مفهوم الاحتراف، فالموهبة وحدها لا تكفي، والإبداع يحتاج إلى تدريب مستمر، وانضباط مهني ووعي بالمسؤولية الثقافية، كما أن الفن ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة لبناء الوعي وصياغة الهوية وتعزيز القيم.

إن النهوض بالدراما الأردنية يتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى، تتعامل مع الثقافة بوصفها استثمارا وطنيا لا ترفا موسميا، وبدون ذلك ستبقى الأعمال تدور في حلقة إنتاج متواضع، يفتقر إلى العمق والتجديد، في وقت تتسارع فيه المنافسة الإقليمية وتتطور أدوات السرد البصري بشكل لافت... المطلوب اليوم هو قرار ثقافي جاد يعيد للدراما الأردنية مكانتها، ويمنح الجمهور عملا يحترم ذائقته ويعكس نبض مجتمعه.

مواضيع قد تعجبك