*
الجمعة: 20 فبراير 2026
  • 20 فبراير 2026
  • 21:42
بين قلمين الكحل والحبر وعن التدجين الذي يسمى تمكينا
الكاتب: عماد داود

"المرأة الجميلة لا تموت.. بل تُستبدل!"
هي ليست جملة قاسية، بل توصيف دقيق لآلية!
 القتل في زمن الصورة لم يعد بالسيف، بل بالإزاحة!
 والرتابة ابدا لم تعد تحتاج جلاداً؛ بل بديلاً أحدث!
 شهريار لم يكن يكره النساء، كان يكره الملل! 
وشهرزاد لم تنجُ لأنها الأجمل، بل لأنها رفعت كلفة النهاية! والبقاء، في كل زمن، هو القدرة على رفع الكلفة!
اليوم الجمال سلعة، والسلعة تُستبدل. وهنا تحديداً تقف المرأة أمام خيارها الأزلي: بين قلمين!
قلم الكحل او "الحومرة" يعمل كل منهما في الضوء، يرسم وجهًا يُرى ثم يمحوه الضوء التالي! بينما قلم الحبر يعمل في الزمن، يكتب أثراً يبقى بعد أن يغيب الكاتب!
 الأول يزيّن الصورة، والثاني يخلق معنى...وما لا يعمل في الزمن لا تاريخ له!
الجمال مهلة، لا حصانة! مهلة قصيرة في عالم ينتج وجوهاً أسرع من الأفكار! وقلم الكحل وحده لا يكفي لمواجهة هذا السيل...لأن السيل لا توقفه زينة، بل يوقفه عمق!
وهنا السؤال المصيري والحاسم: هل أنتِ جميلة أم مذهلة؟
والفرق هنا ليس في الدرجة، بل في الجوهر!
 الجميلة تُرى، والمذهلة تُقرأ! الجميلة تمر، والمذهلة تترك أثراً! الجميلة تُعجب، والمذهلة تُقلق! الجميلة تُستبدل، والمذهلة تملأك بالأسئلة!
"ابو نورة" غنى لمذهلة لم يسمها:
"كل شي فيها طبيعي.. ومو طبيعي"!
"طيبها.. قسوة جفاها.. ضحكها.. هيبة بكاها.. روحها.. حدة ذكاها"!
وهذا ليس تناقضاً، بل هو قمة العمق! 
المرأة التي تمتلك النقيضين تعيش في المسافة بينهما...وهذه المسافة هي موطن الأسئلة!
"تملأك بالأسئلة" يقولها مرتين، كأنه يخشى أن تنسى!
والأسئلة هي ما يبقى بعد أن يغيب الجسد!
"هي ممكنة أم محال؟" المستحيل لا يُستبدل، لأنه لا يتكرر! "ليه كل معجز مر هذا الكون.. فيها له صلة؟"! من تحمل معجزاً تخرج من دائرة السلعة! لأن السلعة تُقاس، والمعجز لا يُقاس!
 "ليه كل شي فيها تظن انك تعرفه.. تجهله؟"! هذا هو الفخ الذي ينقذها؛ كلما ظننت أنك أمسكت بها، تفلت منك بسؤال جديد!
السوق لا يريد امرأة تُربك...يريد سطحاً نظيفاً، سريع الاستهلاك، لا يترك أسئلة! لذلك يكافأ المرأة إذا أخفت حدّة ذكائها داخل قالب مريح! ويطلب عادة إمرأة مثقفة بلا رأي! قوية بلا صدام! لامعة بلا أثر!
وهذا ليس تمكيناً، بل تدجين ناعم يُقدَّم بوصفه انتصاراً!
التمكين الحقيقي أن تبقي السيدة الوحيدة التي لا يُستبدل سرها!
التمكين أن تكوني أنتِ السؤال الذي لا يُغلق! هو أن يكون سركِ أعظم من صورتك، وان تجعلي من حضورك دائما حدثاً لا يتكرر! 
هو أن ترفعي كلفة استبدالك حتى تغدو مستحيلة! وان تمسكي بقلم الحبر لا بقلم الكحل وحده!
التمكين أن تكتبي بالحبر. والتدجين أن ترسمي بالكحل او الحومرة فقط!
"ما هي بس قصة حسن. رغم أن الحسن فيها مشكلة."!
ومشكلة الحسن هنا أنه يُختزل إلى عرض، لا إلى إرباك!
والجمال الذي لا يفتح سؤالاً ينتهي عند أول إعجاب!
"يا بدايات المحبة.. يا نهايات الوله"!... من يملك البداية والنهاية يملك الزمن.. والزمن بطبيعته لا يُستبدل!
 "ليه عمري ما لقى لبرده دفى.. إلا دفاكِ!" وهنا يكمن اليقين! ليس لأنها الأجمل، بل لأنها الوحيدة التي جعلت من نفسها سؤالاً!
 والعلاقة الحقيقية -برأيي- حين يصبح الطرفان سؤالاً لبعضهما، وحين لا يعود أحدهما قادراً على تفسير الآخر، فيضطر إلى الاستمرار في المحاولة! وحين أيضا يصبح الحضور معنى لا صورة!
شهرزاد لم تنجُ لأنها كانت تحكي، بل لأن حكاياتها جعلت شهريار يسأل: "ثم ماذا؟"!
المرأة الخطرة هي التي تجعل الرجل يسأل إلى الأبد! ليس عن القصة فقط، بل عنها هي! عن سرها الذي لا ينكشف! وعن أعماقها التي لا تُستنفد! وعن ذلك البئر من الأسئلة الذي لا ينضب!
السرعة الرقمية اليوم تنتج صورة تلو الأخرى، وجمالاً يمحو جمالاً! والمرأة التي تراهن على قلم الكحل وحده تراهن على سراب! لأن الصورة تتكرر، والمعنى يتعمق! وقلم الحبر هو ما يبقى! لإنه هو من يكتبك في ذاكرة الزمن لا في ألبوم اللحظة!
إذن، المعركة ليست بين رجل وامرأة! المعركة بين قلمين: بين قلم الكحل وقلم الحبر! بين الضوء والزمن! بين السطح والمعنى! بين أن تكوني صورة تُستهلك، أو نصاً يُعاد قراءته!
الملل هو القاتل الحقيقي، لا السيف! والملل لا يُهزم بجمال جديد، بل بسؤال جديد! والمرأة التي تجعل من حضورها سؤالاً تجعل من نفسها زمناً، لا لحظة! وتجعل من هذا الزمن واحدا لا يُستبدل إلا بآخر أعمق!
السوق يريد أجمل، بينما المجتمع يحتاج أعمق!
الفرق بين إعجاب مؤقت وقلق باقٍ، هو ان المرأة التي تُقلق لا تُنسى! لأنها تزرع فيك سؤالاً، والسؤال إذا دخل الروح لا يخرج!
شهريار ما زال حياً في كل خوارزمية تُظهر الأحدث بدل الأصدق،   في كل منصة ترفع الأجمل وتدفن الأعمق! وفي كل عين تبحث عن صورة جديدة قبل أن تفهم معنى القديمة!
وشهرزاد ما زالت حية في كل امرأة ترفض أن تكون صورة! في كل امرأة ترفع كلفة حضورها! في كل امرأة تجعل من نفسها سؤالاً يقلق، لا إجابة تريح! في كل امرأة تمسك بقلم الحبر لا بقلم الكحل وحده!
"أبو نورة" سألها في النهاية: "ما راودتك الأسئلة؟!"
كأنه يذكّرها أن الخطر الحقيقي ليس في أن تُسأل، بل في أن تتوقف عن الأسئلة! عن نفسها... عن وجودها... عن معناها... عن السر الذي يجعلها هي من هي، ولا تشبه أحداً!
المرأة التي تتوقف عن السؤال تبدأ رحلة النهاية. والتي تظل تسأل، تظل مذهلة! والتي تظل مذهلة، تظل حية في الزمن!
والمرأة الجميلة لا تموت.. بل تُستبدل!
إلا إذا جعلت من جمالها باباً إلى ما بعده! إلا إذا كان حسنها مشكلة لأنه يفضي إلى دهشة! والدهشة إلى سؤال، والسؤال إلى زمن!
وهنا فقط، لا تكون "قصة حسن"، بل معادلة حضور:
جمال يربك، وذكاء يفسر، ومعنى يتراكم!
وهنا فقط، تنتقل من دفتر الكحل و "الحومرة" إلى دفتر الحبر، ومن سجل الصور إلى سجل الخلود!
مُذهلة.. إذاً أنتِ في خطر!
ليس لأن أحداً سيؤذيك، بل لأن العالم سيجد ألف امرأة تشبه صورتك، ولن يجد امرأة واحدة تشبه أسئلتك!
الصورة تُستبدل، والأسئلة تُخلَّد!
والتمكين أن تبقى سيدة قرار نفسك، بينما التدجين أن تصيري صورة مفهومة!
لأن لجمال مهلة، والمُذهلة أبد!

مواضيع قد تعجبك