*
الجمعة: 20 فبراير 2026
  • 20 فبراير 2026
  • 14:08
بين قلق الأرض  وطمأنينة السماء
الكاتب: الدكتور يزن حتاملة

يأتينا رمضان في كل عام لا ليغيّر إيقاع حياتنا اليومية، بل ليكون محطة نراجع فيها رحلتنا على هذه الأرض، ولنسأل بعمق وهدوء:
كيف نعيش؟
وبأي روح نحيا؟
وبأي طريقة نتعامل مع من حولنا وما حولنا ؟

ليس الزمن هو ما يتغيّر في رمضان، بل أسلوب تعاملنا مع أنفسنا ونظرتنا إلى ما نحن فيه.

خارج رمضان، نمضي عامًا كاملًا نسعى لتأمين ما يلزمنا وما نظنّ أنه يلزمنا ... بعمل لا ينقطع، ومقارنات لا تنتهي، وقلق لا يهدأ ...  قد يتغيّر شكله أحيانًا لكنه لا يفارقنا ابدا.

تمضي الأيام ثقيلة، نهرول خلف التفاصيل الصغيرة، وننشغل بالمكاسب والخسائر، ونسابق الوقت ليلًا ونهارًا...  ننظر إلى ما بين أيدينا وننسى أحيانًا ما بداخلنا ... حتى تجفّ العلاقات، وتحتدّ الكلمات، وتقسو القلوب. ونعد أنفسنا بوقت مناسب لإصلاح ما تكسر… لكنه كثيرًا ما لا يأتي.

رمضان، في جوهره، ليس صبرًا على الجوع، بل تهذيبًا للنفس ... دعوة لضبط الأفعال، وانتقاء الكلمات، ومراجعة ردود الأفعال. هو نشرٌ للخير، وصلةٌ للأرحام، وإطعامٌ للمحتاجين، وتفعيلٌ للزكاة والصدقات... فيه ترتقي النفوس، ويقلّ الأذى، ويكثر العفو، وتلين الكلمات.

إنه يعلّمنا أن الإنسان ليس جسدًا ينتظر الطعام، بل قلبًا ينتظر المعنى، وروحًا تنتظر الرحمة ... ليصبح العفو رفعة لا ضعفًا، واللطف قوة لا مجاملة، والتسامح راحة لا خسارة، فنعيش بقلوب أنقى وأرواح أسمى ... عندها ترتقي الأخلاق، ويكثر العفو، وتلين المعاملات، وتنضبط الأفعال، فيتماسك المجتمع، وتتحسن جودة الحياة.

في لحظة الصوم يهدأ الجسد قليلًا، ليترك للروح مساحة في هذا الصمت الداخلي لتقول: إن الطمأنينة ليست في كثرة ما نملك، بل في خفّة ما نحمل.

رمضان لا يفرض علينا أن نترك الدنيا، بل أن نرتقي بأخلاقنا فيها... يذكّرنا أن أعمارنا أقصر من أن تُهدر في خصام وانتقام، وأن نعبر الحياة... بيدٍ أخف، وقلبٍ أنقى، وروحٍ تؤمن بأن ما عند الله أبقى.

فلنجعل من رمضان موسمًا لإصلاح ما انكسر، وزرع أطيب الأثر بعد انقضائه... فالدنيا لا يتغيّر ميزانها بما نأخذه منها، بل بما نترك فيها من خير وأثر.

وما بين قلق الأرض وطمأنينة السماء، لا يُطلب من الإنسان أن يختار بينهما، بل أن يدرك أيّهما يستحق أن يقود قلبه.

فإن خرج الإنسان من رمضان بقلب أهدأ، وخُلُق ألين، وروح أخف، ونفس أقل تعلّقًا بالفاني ... فقد أدرك جوهر الرسالة.

فالحياة لا تُقاس بطول أيامها ... بل بعمق ما نعيشه فيها من محبة وسكينة

مواضيع قد تعجبك