*
الاربعاء: 18 فبراير 2026
  • 18 فبراير 2026
  • 22:57
أموال الأردنيين لدى الضمان الاجتماعي سُرقت أم خسارة استثمارية
الكاتب: أنس الرواشدة

خبرني - تعتبر مؤسسة الضمان الاجتماعي الأردني ركيزة أساسية في بناء شبكة الأمان الاجتماعي للمواطنين، إذ تُعد الأموال المقتطعة من رواتب موظفي القطاع العام جزءاً حيوياً من محفظتها التمويلية. هذه الاشتراكات، التي يفترض أن تضمن للموظفين مستقبلاً كريماً عند التقاعد أو في حالات العجز والمرض، تواجه اليوم تحديات جمة أدت إلى تآكل جزء من قيمتها أو تأخير في صرف منافعها، مما يثير قلقاً مجتمعياً واسعاً. إن فهم مصادر الخسارة التي تتعرض لها هذه الأموال ووضع خطط استشرافية لمعالجة المشكلات المستقبلية يمثل ضرورة وطنية لضمان استدامة المؤسسة وتحقيق أهدافها النبيلة.
تتكون الإيرادات الرئيسية لمؤسسة الضمان الاجتماعي من الاشتراكات الإلزامية المقتطعة شهرياً من أجور العاملين وأصحاب العمل، بالإضافة إلى العوائد الاستثمارية لتلك الأموال. الخسارة التي تتعرض لها هذه الأموال لا تقتصر فقط على التحديات الاستثمارية التقليدية، بل تمتد لتشمل عوامل هيكلية وتشغيلية وإدارية. لعل أبرز أسباب تدهور قيمة الأموال أو صعوبة إدارتها يكمن في التحديات الديموغرافية المتزايدة. يشهد الأردن نمواً سكانياً مطرداً، مصحوباً بارتفاع في متوسط الأعمار، مما يعني زيادة في عدد المتقاعدين مقارنة بعدد المشتركين الفاعلين. هذا الخلل في معادلة الدفع والاستفادة يضع ضغطاً هائلاً على النظام الاكتواري للمؤسسة، ويستدعي مراجعات دورية لنسب الاشتراكات ومواعيد الاستحقاق.
أما عن التحديات الاستثمارية، فهي تشكل جبهة أخرى من جبهات الخسارة. تاريخياً، كان التوجه الاستثماري للمؤسسة يميل نحو الأصول الأكثر أماناً كالودائع الحكومية والعقارات، إلا أن العوائد على هذه الأصول غالباً ما تكون متدنية ولا تتناسب مع متطلبات التضخم وتنمية رأس المال على المدى الطويل. في بعض الحالات، أدت قرارات استثمارية غير موفقة أو غير مدروسة بعمق، خاصة في مراحل معينة اتسمت بضعف الرقابة والحوكمة، إلى خسائر مالية مباشرة. كما أن بطء عمليات تسييل بعض الاستثمارات غير السائلة قد يؤدي إلى تجميد جزء من السيولة اللازمة لتلبية الالتزامات الفورية، مما يخلق إحساساً بالعجز المالي رغم وجود أصول إجمالية كبيرة.
بالإضافة إلى ذلك، تلعب مشكلة التهرب والتخلف عن السداد دوراً سلبياً في إضعاف الإيرادات المتوقعة. على الرغم من الجهود الرقابية، لا تزال هناك فجوة في تحصيل الاشتراكات المستحقة من بعض قطاعات الأعمال، وخاصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تواجه صعوبات اقتصادية. إن تأخير الشركات في دفع الاشتراكات يعني تأخير المؤسسة في تحقيق العوائد المتوقعة من هذه المبالغ، وفي بعض الأحيان يتطلب إجراءات قانونية طويلة ومكلفة لاستردادها. هذا التسرب المالي يضع عبئاً إضافياً على الاشتراكات المنتظمة ويهدد مبدأ التكافل الاجتماعي الذي يقوم عليه الضمان.
لمواجهة هذه المشكلات ورسم خطة لحل التحديات المستقبلية، يجب اعتماد نهج متعدد الأبعاد يركز على الاستدامة المالية، الحوكمة الرشيدة، وتحديث الإدارة. الخطوة الأولى والأكثر أهمية تتمثل في إعادة تقييم السياسات الاكتوارية للمؤسسة. يجب إجراء دراسات اكتوارية شفافة ومستقلة بشكل دوري لتحديد النسب المثلى للاشتراكات ومعدلات التقاعد المستهدفة لضمان توازن الإيرادات والنفقات على مدى الخمسين عاماً القادمة. قد يتطلب ذلك مراجعة مرنة لسنوات الخدمة أو تحديد سقف معين للراتب الخاضع للاشتراك، مع إيجاد آليات تعويضية للقطاعات الأكثر تأثراً.
ثانياً، يجب تحسين المحفظة الاستثمارية للمؤسسة بشكل جذري. يتطلب ذلك تنويع الاستثمارات بعيداً عن الاعتماد المفرط على الأصول منخفضة العائد. ينبغي توجيه جزء أكبر من الأموال نحو استثمارات استراتيجية تخدم الاقتصاد الوطني وتدر عوائد مجزية، مثل الاستثمار في البنية التحتية الحيوية، أو الأسهم في الشركات الكبرى ذات الأداء المستقر والنمو الواعد، مع وضع ضوابط صارمة لإدارة المخاطر وتحديد سقف للمخاطرة المسموح بها. يجب أن تترافق هذه الخطوة مع تعزيز كفاءة فرق إدارة الاستثمار والاعتماد على الخبرات المالية الدولية لتقييم الفرص الاستثمارية.
ثالثاً، لا بد من تفعيل منظومة صارمة لمكافحة التهرب والتأخير في السداد. يجب استخدام التكنولوجيا الحديثة، مثل الربط الإلكتروني الشامل بين دائرة ضريبة الدخل والمؤسسة والضمان الاجتماعي، للكشف الفوري عن أي تلاعب في بيانات الرواتب أو التخلف عن الإبلاغ. يجب أن تكون العقوبات المطبقة على المتخلفين رادعة، وأن تشمل، عند الضرورة، إيقاف بعض التراخيص التجارية أو تجميد الحسابات البنكية للمنشآت المتهربة حتى يتم تسوية الالتزامات المستحقة للمتقاعدين المستقبليين.
رابعاً، يجب تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة المؤسسة. إن بناء ثقة الموظفين في مستقبل مدخراتهم يتطلب إطلاعهم بشكل دوري ومفصل على كيفية استثمار أموالهم والنتائج التي تحققت، سواء كانت إيجابية أم سلبية. إنشاء هيئات رقابية مستقلة تتمتع بصلاحيات واسعة لمراجعة القرارات الاستثمارية والإدارية يقلل من فرص القرارات المنفردة غير المدروسة ويضمن أن مصلحة المشترك هي الهدف الأسمى.
في الختام، تمثل أموال الضمان الاجتماعي المقتطعة من موظفي القطاع العام رأس مال مجتمعي لا يجوز التفريط فيه. الخسائر التي تعرضت لها المؤسسة، سواء بسبب الضغوط الديموغرافية أو ضعف الحوكمة الاستثمارية، تتطلب تحركاً وطنياً عاجلاً. إن الخطة المستقبلية يجب أن ترتكز على أسس علمية اكتوارية، استثمارات ذكية ومدروسة للمخاطر، وتطبيق قانوني حازم ضد التهرب. فقط من خلال هذه الإصلاحات المتكاملة والشجاعة يمكن ضمان استمرارية مؤسسة الضمان الاجتماعي كضامن حقيقي للعيش الكريم للأجيال الأردنية القادمة.

مواضيع قد تعجبك