*
الخميس: 19 فبراير 2026
  • 19 فبراير 2026
  • 20:26
رمضان رسالة فكرية قبل ان تكون شعيرة تعبدية
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

يأتي رمضان كل عام ليذكّر الإنسان بحقيقته الأولى: أنه كائنٌ قادر على الاختيار، وعلى تهذيب رغباته، وعلى الارتقاء فوق ضرورات الجسد حين يسمو الوعي وتستيقظ الإرادة. وليس رمضان مجرد شهر في التقويم، بل هو مدرسة تربوية متكاملة، تتداخل فيها العبادة مع الأخلاق، ويتعانق فيها البعد الروحي مع البعد الاجتماعي.
في الصيام يتعلم الإنسان الانضباط؛ إذ يؤجل حاجاته المباحة استجابةً لنداء الإيمان. وهذا التأجيل الواعي ليس حرمانًا، بل تدريبٌ على إدارة الرغبة، وبناء قوة داخلية تحميه من الانسياق الأعمى خلف الشهوات. ومن هنا كان رمضان تربيةً عملية على الصبر، ومراجعةً دقيقة لعلاقة الإنسان بذاته، حتى يغدو أكثر اتزانًا وأشد قدرةً على اتخاذ القرار الرشيد.
ولا يقف أثر رمضان عند حدود الفرد، بل يمتد إلى المجتمع بأسره. فعندما يجوع الغني كما يجوع الفقير، تتقلص المسافات النفسية بين الطبقات، ويغدو الشعور بالآخرين حقيقةً معاشة لا شعارًا مرفوعًا. ومن هذا المعنى تنبع قيم العدالة الاجتماعية والتكافل، حيث تتضاعف الصدقات، وتُستعاد فكرة المسؤولية الجماعية بوصفها ركيزة الاستقرار والتماسك.
وفي ليلة القدر تتجلى قيمة الزمن في أبهى صورها؛ إذ تتحول ليلة واحدة إلى مساحة مضاعفة للأثر والمعنى، فيتربى الوجدان على أن اللحظة قد تغيّر المصير، وأن العمل الصادق لا يُقاس بطوله بل بعمقه وإخلاصه. إنها رسالة فكرية قبل أن تكون شعيرة تعبدية، تذكّر الإنسان بأن العمر رأس ماله الحقيقي.
وعندما يُختتم الشهر بـ 
عيد الفطر ، لا يكون الفرح انفصالًا عن روح العبادة، بل امتدادًا لها. فالانضباط يثمر بهجة، والطاعة تفضي إلى سكينة، والمجتمع الذي يتشارك المعاناة يتشارك الفرح أيضًا. وهكذا يتحول العيد إلى إعلانٍ رمزي عن انتصار الإرادة، وتجدد العهد بالقيم.
إن رمضان، في جوهره، مشروعُ بناءٍ سنويٍّ للإنسان؛ يعيد ترتيب أولوياته، ويذكّره بأن الأخلاق أساس العمران، وأن العدل قيمة لا تقوم حياة مستقرة بغيرها. هو شهر يعيد وصل ما انقطع بين الروح والعمل، وبين الإيمان والسلوك، ليخرج منه الفرد أكثر وعيًا بذاته، وأقدر على الإسهام الإيجابي في الشأن العام.
وبهذا المعنى، لا يكون رمضان زمنًا عابرًا، بل محطة مراجعة كبرى، وبوصلةً أخلاقية توجه الإنسان والمجتمع معًا نحو مزيد من الرشد، والرحمة، والتوازن.

مواضيع قد تعجبك