*
الخميس: 12 فبراير 2026
  • 12 فبراير 2026
  • 12:17
العمل التطوعي بين التشريعات والمرجعيات هل ينجو من مهب الريح
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

في عالم يزداد تعقيدًا، يصبح العمل التطوعي أكثر حاجة من أي وقت مضى، فهو ذاك الشعاع الذي ينير دروب المجتمعات في أوقات الأزمات، ويساهم في بناء نسيج اجتماعي متماسك وقوي. لكن، ماذا يحدث عندما يلتقي حب العطاء مع جدران التشريعات المتعددة، والضغوط الاقتصادية الثقيلة، وكثرة المرجعيات الرسمية التي ترهق المؤسسات والأفراد؟ إنه صراع يكاد يطيح بروح التطوع نفسها.
تعيش الجمعيات والمؤسسات التطوعية اليوم في خضم متاهة تشريعية معقدة، بين قوانين متشابكة، ومتطلبات مرجعية من عدة جهات رسمية، كل منها يحمل طلباته وشروطه. هذا التشابك لا يترك للمؤسسات مساحة للتنفس، بل يحول دون توجيه كل جهدها إلى جوهر رسالتها: خدمة المجتمع. كثرة المراجعات والتقارير المالية، والطلبات التي لا تنتهي من الجهات الحكومية، تتحول إلى جدار صد أمام تطلعات المتطوعين، فتتبدد الحماسة، وينهار الإبداع تحت وطأة الروتين والإجراءات البيروقراطية.
وفي ظل الأزمات الاقتصادية، يجد الأفراد أنفسهم محاصرين بين رغبتهم في التطوع وخوفهم من التكاليف المالية التي قد تترتب على ذلك. من مصاريف التنقل إلى التبرعات اللازمة لتسيير العمل، ينسحب الكثيرون عن الساحة، مخافة أن تتحول مساهمتهم إلى عبء مادي عليهم. أما الجمعيات، فتكافح من أجل الصمود بميزانيات متواضعة، تتكسر تحت وطأة الالتزامات المالية المتزايدة والمتطلبات الإدارية، مما يهدد استمراريتها وقدرتها على تقديم خدمات فعالة.
إن واقع العمل التطوعي اليوم يستدعي من الجميع إعادة النظر في الدعم المادي والمعنوي الذي يُقدم له. فبدون دعم مالي حقيقي ومستدام، ستظل الجمعيات تتخبط في أزمتها، وسيبتعد الناس تدريجيًا عن التطوع، ليس لعدم رغبتهم في العطاء، بل لخوفهم من الضغوط المالية والإدارية. الحلول ليست معقدة، لكنها تحتاج إرادة: تبسيط التشريعات وتقليل عدد المرجعيات الإدارية، توفير دعم مالي مباشر للمؤسسات التطوعية يضمن لها استمرارية مشاريعها وبرامجها، خلق بيئة محفزة للمتطوعين تقدر وقتهم وجهدهم بدلاً من فرض الأعباء المالية عليهم، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص لدعم العمل المجتمعي.
العمل التطوعي هو نبض المجتمعات، وقوة التحول الاجتماعي. لا يجب أن نسمح للتشريعات المتشابكة والضغوط الاقتصادية أن تخنق روح العطاء فينا. إن دعم العمل التطوعي مادياً ومعنوياً ليس رفاهية، بل ضرورة لضمان بقاء هذا الفضاء الحيوي مفتوحًا أمام كل من يريد أن يصنع فرقًا. فلنقف جميعًا معًا، نخفف الأعباء، ونحافظ على نور العطاء مستمرًا، لأن في ذلك استثمارًا في مستقبل أفضل لنا جميعًا

مواضيع قد تعجبك