*
الخميس: 12 فبراير 2026
  • 12 فبراير 2026
  • 11:47
السردية الأردنية البحث عن راوٍ
الكاتب: عماد داود

تُعد السردية بمفهومها العميق النظام المعرفي الذي يشكّل وجدان الشعوب ويمنح الدول شرعية وجودها، وهي تتجاوز مجرد الحكاية الأدبية لتصبح أداة سياسية واجتماعية معقدة تتطلب تفكيكاً دقيقاً لرفع الخلط الشائع حولها. يبدأ فهم هذا المفهوم من السردية الرسمية التي تصيغها السلطة لترسيخ الولاء وشرعنة التوجهات عبر المؤسسات والمناهج، وتتوازى معها السردية الجيوسياسية التي يمليها موقع الدولة على الخارطة ودورها كجسر أو صمام أمان في محيطها الإقليمي. وفي المقابل، تبرز السردية الشعبية كصوت عفوي للمجتمع يعكس همومه المعيشية وذاكرته الجمعية، بينما تنصهر هذه المستويات جميعاً في السردية الهوياتية التي تجيب على سؤال الجذور والانتماء التاريخي.

في الأردن، حيث تتقاطع هذه المستويات الأربعة في أكثر تشابكاتها حساسية وتعقيداً، جاء الإعلان عن مشروع السردية الوطنية ليكشف عن حاجة عميقة ظلت كامنة لعقود: أن يكتب الأردنيون حكايتهم بأصواتهم، لا بأصوات الآخرين. ليس لأن الآخرين كتبوها بسوء نية، بل لأن الأردنيين أنفسهم لم يكتبوها بعدُ على نحو يجمع شتات الذاكرة ويؤسس لرؤية جامعة. ظل تاريخ هذه البلاد، على امتداد آلاف السنين، حكاية تُروى في هوامش كتب الآخرين، أو مختزلة في لحظة تأسيس الدولة الحديثة، وكأن ما قبل إمارة 1921 مجرد مقدمة لحضارات عابرة لا تمتّ لمن يسكن الأرض اليوم بصلة.

المشروع الذي تبناه ولي العهد وأُعلن عنه في خريف 2025 يحمل في روحه اعترافاً ضمنياً بهذا الفراغ، ورغبة صادقة في ملئه برؤية وطنية متكاملة. وهو في هذا السياق ليس مجرد مبادرة ثقافية عابرة، بل محاولة جادة لاستعادة المبادرة في صياغة الرواية الوطنية، وتحصين الأجيال الشابة في زمن باتت فيه المعلومات المغلوطة والروايات المشوهة تبثّ بضغطة زر. غير أن الشجاعة في إطلاق المشروع تقابلها مسؤولية أكبر في صياغته، وهنا تبدأ الأسئلة التي لا مناص من مواجهتها.

أول هذه الأسئلة وأكثرها إلحاحاً يتعلق بالتنوع الداخلي للمجتمع الأردني. كيف تكتب سردية جامعة لمواطنين تتوزع ذاكراتهم بين ضفتي النهر، بين من يرى في نكبة 1948 بداية قصة لجوئه الشخصي، ومن يرى فيها حدثاً عربياً كبيراً لكنه ليس مؤسساً لهويته الأردنية؟ ليس المطلوب من السردية الوطنية أن تحلّ هذا الإشكال الفلسفي التاريخي بإجابة نهائية، فهذا ما عجزت عنه عقود من السياسات والحوارات. لكن المطلوب منها ألا تتجاهله، وألا تتعامل مع التنوع الأردني كعائق يجب تجاوزه بالصمت أو بالعموميات الفضفاضة عن "الأرض والإنسان" و"العيش المشترك". التنوع الأردني ليس وصمة عار، بل هو ثراء وواقع ديموغرافي واجتماعي، والسردية التي لا تستوعبه ستبقى ناقصة، وربما منقسمة على نفسها.

السؤال الثاني يتعلق بالعلاقة بين ما هو وطني وما هو قومي. نشأ الأردن الحديث في سياق عربي ثائر ضد الاستعمار، حالم بالوحدة، رافض للتجزئة. هذه النشأة تركت في الجينات الثقافية للأردنيين حساسية مفرطة تجاه أي تأكيد على الخصوصية الوطنية، خشية أن يُقرأ انسلاخاً عن المحيط أو تخلياً عن القضايا المركزية. لكن التجارب العربية المرة، وانهيار دولٍ كانت أكثر حماسة للشعارات القومية من غيرها، أثبتت أن بناء الدولة الوطنية القوية ليس خيانة للعروبة، بل شرطها الأساس. الأردن القوي الهوية، الواثق من ذاته، هو وحده القادر على حمل القضية الفلسطينية بصدق، لأن من لا وطن له لا يحمي وطن غيره. هذه المعادلة الدقيقة تحتاج إلى صياغة سردية واضحة لا تترك مجالاً للتأويل، تجمع بين الاعتزاز بالخصوصية الأردنية والانتماء العضوي للأمة العربية.

أما السؤال الثالث، وهو الأكثر التصاقاً بحياة المواطن اليومية، فيتعلق بالفجوة بين السردية الرسمية والهموم المعيشية. حين تروي الدولة حكاية سبعة آلاف عام من الحضارة، بينما المواطن منشغل بارتفاع الأسعار وفرص العمل والخدمات المتراجعة، تتسع المسافة بين النص والواقع، وتتحول السردية من قصة حية يعيشها الناس إلى خطاب فوقي لا يلامس جوعهم ولا آمالهم. ليس المطلوب من مشروع السردية أن يحل مشاكل الاقتصاد، ولا أن يتحول إلى بيان حكومي عن خطط التنمية. لكن المطلوب منه ألا ينفصل عن هذه المشاكل، وألا يخلق فضاءً موازياً من المثالية لا يتقاطع مع تفاصيل الحياة اليومية. السردية التي لا تعترف بمعاناة المواطن، ولا تضع هذه المعاناة في سياقها التاريخي والاجتماعي، ستبقى خطاباً لا يلامس الروح.

لكن السؤال الأعمق، الذي يسبق هذه الأسئلة كلها ويتخللها، هو سؤال المنهج: من يكتب السردية الأردنية؟ إذا ظل المشروع حبيس اللجان الرسمية والخبراء المعينين، وإذا اقتصرت رواية الأردن على أصوات محددة تملك شرعية المؤسسة لا شرعية المجتمع، فستكون النتيجة وثيقة أخرى نفتخر بها في المناسبات ثم نعيدها إلى الرف. السردية الحية تكتبها أيادٍ كثيرة، بقلم الغاضب والحالم والخائف والمتفائل، بقلم الفلاح واللاجئ والبدوي والمدني، بقلم من حارب في الكرامة ومن نزح من مخيم ومن درس في الجامعة الأردنية ومن هاجر ثم عاد. السردية الوطنية مشروع جماعي بطبيعته، وكل محاولة لاختزاله في رواية واحدة، مهما كانت رصينة، ستنتج هشاشة معرفية لا مناعة.

هنا تبدو رؤية ولي العهد في إطلاق المشروع أكثر أهمية من تفاصيله التنفيذية. فتبنٍّ شخصي من هذا المستوى لمبادرة ثقافية بهذا الحجم يرسل إشارة واضحة: أن الهوية الأردنية أولوية وطنية، وأن تأجيل الحديث عنها بات مكلفاً. لكن التبني الشخصي يحمل في طياته مخاطرة أيضاً؛ إذ قد يُقرأ المشروع وكأنه سردية ملكية لا سردية وطنية، وكأنه توجيه من الأعلى لا حوار أفقي. المطلوب هنا وعي دقيق بحدود دور الراعي، وإفساح مساحة حقيقية للفاعلين المجتمعيين والأكاديميين والمبدعين ليضعوا بصماتهم على المشروع، حتى لا يبقى وصاية بل يتحول إلى ملكية عامة.

لا يمكن الحديث عن السردية الأردنية بمعزل عن السياق الجيوسياسي الذي يولد فيه. الأردن اليوم، كما كان على مدى قرن، دولة تواجه تهديدات وجودية متجددة تحت عناوين متغيرة. آخرها وأخطرها إحياء شعارات "البديل" و"الوطن البديل" في خطاب اليمين الإسرائيلي، ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية على حساب الثوابت الأردنية. في هذا السياق، يصبح مشروع السردية الأردنية دفاعاً استباقياً عن الوجود، وتأكيداً على أن هذا الوطن ليس خياراً احتياطياً لأحد، وليس ورقة مساومة في معادلات إقليمية. لكن الدفاع عن الوجود لا يحتاج إلى رواية مثالية تخفي الهشاشات وتنكر التحديات؛ الدفاع الحقيقي يبدأ بالاعتراف الواقعي بالواقع، وببناء مناعة معرفية تقوم على الصدق لا على الإنكار.

لعل أخطر ما تواجهه مشاريع بناء السرديات الوطنية هو إغراء التبسيط: اختزال التاريخ المعقد في حكاية بطولية واحدة، وطمس التناقضات والتفاصيل المزعجة، وتقديم هوية مصمتة لا تحتمل التأويل. هذا النموذج من السرديات ينتج وثيقة جميلة على الورق، لكنه يفشل في امتحان الواقع. لأن الهويات الحية، مثل الأفراد الأحياء، تحمل في داخلها تناقضاتها وأسئلتها المفتوحة. الأردني الذي يفتخر بجيشه العربي ويقلق من مستقبل أولاده، الذي يحفظ القدس في قلبه ويحلم بفرصة عمل، الذي يعتز بتاريخ أجداده ويسخر من البيروقراطية، هذا الأردني المركب هو بطل السردية الحقيقية، لا تمثال البطل الذي لا يخطئ ولا يتعب ولا يسأل.

السردية الأردنية المنشودة ليست إجابة نهائية تغلق باب الاجتهاد، بل هي فضاء وطني مفتوح للحوار الدائم. هي اعتراف بأن الهوية الأردنية لا تزال في حالة مخاض، وأن تعددية المجتمع ليست نقطة ضعف تمحى بل ثراء يُروى. هي شجاعة في مواجهة الأسئلة الصعبة، وتواضع في قبول أن الرواية النهائية تكتبها الأجيال القادمة لا لجان اليوم. هي، في جوهرها الأعمق، ليست مشروعاً توثيقياً للماضي، بل استثماراً في المستقبل: أن يأتي غداً أردنيون يعرفون من هم، ليس لأن أحداً لقنهم الإجابة، بل لأنهم تربوا على حب السؤال.

حينها فقط، لا تكون السردية الأردنية وثيقة حبيسة الأدراج، ولا خطاباً يقرأ في المناسبات ثم يُنسى. تصير نبضاً في الشرايين، وضميراً جمعياً، ومرآة يرى فيها كل أردني وجهه دون أن يشعر أن وجهاً آخر قد مُحي ليصنع له مكاناً. وهذه المرآة، التي تتسع للجميع ولا تكسر أحداً، هي وحدها ما يضمن لهذا الوطن أن يبقى متماسكاً في زمن تتهاوى فيه الأوطان.

مواضيع قد تعجبك