*
الاربعاء: 11 فبراير 2026
  • 10 فبراير 2026
  • 23:02
الصفوف الأولى في الأردن تعليم أم تحميل
الكاتب: الدكتور محمد عماد العمري

تشكل الصفوف الدراسية من الأول حتى السادس المرحلة الأهم في بناء شخصية المتعلم الأردني، فهي سنوات التأسيس الحقيقي للعقل واللغة والقيم. وما يُغرس في هذه المرحلة يبقى أثره طويلًا في المسار التعليمي كله. لذلك فإن السؤال المشروع اليوم ليس: ماذا نُدرّس أبناءنا؟ بل: كيف نُدرّسهم، وبأي حجم، وبأي مستوى؟
المتأمل في واقع المنهاج في الصفوف الأولى يلاحظ أن كثيرًا من المحتوى يتقدم بخطوات أسرع من قدرة الطفل على الاستيعاب. فالكتاب يتطور، والموضوعات تتوسع، لكن مستوى المتعلم النمائي واللغوي لا يُؤخذ دائمًا بالقدر الكافي من المراعاة. فنجد الطفل مطالبًا بفهم نصوص طويلة ومفاهيم مركبة قبل أن يُتقن أساسيات القراءة والتعبير.
وفي مادة اللغة العربية تحديدًا، تظهر الفجوة بوضوح؛ إذ تحتوي بعض النصوص على تراكيب لغوية وأفكار تفوق مستوى الصفوف الأولى، فيتحول الدرس من متعة لغوية إلى عبء ذهني. فالطفل في هذه المرحلة بحاجة إلى لغة قريبة من عالمه، وقصص قصيرة، وجُمل بسيطة، وألفاظ مألوفة، لا إلى نصوص تُرهقه قبل أن تُنمّي مهارته.
إن الهدف من العربية في الصفوف الأولى ليس الإكثار من الصفحات، بل تمكين الطفل من القراءة السليمة، والنطق الصحيح، وحب اللغة، والقدرة على التعبير. فمتى أحب الطالب لغته، سهل عليه تعلّمها، ومتى نَفَر منها في بداياته، ظل يعاني معها في مراحله اللاحقة.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى التخفيف لا التقليل، وإلى التبسيط لا التسطيح. فالمنهاج المطلوب هو الذي يراعي خصائص الطفل الأردني، وبيئته، وقدرته على التركيز، لا الذي يُصمَّم بعقلية الصفوف العليا ثم يُنزَل على الصغار.
كما أن من المهم في هذه المرحلة تعزيز الارتباط بالقرآن الكريم، من خلال التركيز على حفظ السور القصيرة، وتلاوتها تلاوة صحيحة، وغرس محبة كتاب الله في نفوس الطلبة. فالقرآن ليس مادة حفظ فقط، بل مدرسة لغوية وقيمية، تُسهم في بناء اللسان والوجدان معًا، وتُعين الطفل على سلامة النطق، وجمال التعبير، وثبات القيم.
ولا يعني ذلك إثقال كاهل الطالب بالحفظ، بل تقديمه بأسلوب محبب، متدرج، مرتبط بالمعنى والسلوك، بحيث يشعر الطفل أن القرآن جزء من حياته المدرسية، لا عبئًا إضافيًا عليها.
إن الصفوف الأولى في الأردن تحتاج إلى مراجعة هادئة للمنهاج، تنطلق من سؤال بسيط: هل نُعلّم الطفل، أم نُحمّله؟ هل نُراعي قدرته على التعلّم، أم نختبر صبره على الكم؟
فالتعليم الحقيقي يبدأ حين نجعل المنهاج في مستوى الطفل، لا الطفل في مستوى المنهاج. وعندها فقط نضمن تأسيسًا سليمًا، يبني طالبًا واثقًا، محبًا للمدرسة، وقادرًا على التعلّم لا على الحفظ فقط.

مواضيع قد تعجبك