بقلم: د. محمد رجا السعيدات (رئيس قسم الهندسة الكهربائية - جامعة الحسين بن طلال)
شهد الأردن مؤخراً موجة من الاستياء الشعبي حول ارتفاع قيم فواتير الكهرباء، وتداول البعض تفسيرات تعزو ذلك إلى ما يُسمى "توزيع الفاقد الكهربائي" على المواطنين، أو لجوء شركات الكهرباء إلى خفض الجهد وزيادة التيار لرفع قيمة الفاتورة. ومن منطلق المسؤولية العلمية، لا بد من تفنيد هذه الفرضيات وتوضيح السبب الحقيقي لهذا الارتفاع.
بدايةً، فيما يخص "الفاقد الكهربائي"، فهو موجود في كل شبكات العالم، وينقسم إلى نوعين: فاقد فني في الشبكات (يمكن تقليله بتطوير البنية التحتية)، وفاقد غير فني ناتج عن العبث (يمكن تقليله بالرقابة). والسؤال: هل يُوزع هذا الفاقد عشوائياً على المواطنين؟ المنطق الاقتصادي والهندسي ينفي أن تتحمل شركات التوزيع هذا الفاقد بالكامل لأنها مؤسسات ربحية، ولكن ليس من العدالة أيضاً أن يتحمله المشترك الملتزم بشكل مباشر. لذا، يتم التعامل مع الفاقد عالمياً من خلال إضافته كجزء هامشي ضمن معادلة تسعير "الكيلوواط" الأساسية (فلسات بسيطة)، بحيث يكون السعر شاملاً للكلف التشغيلية والفواقد، وبالتالي لا يُظلم المستهلك ولا تخسر الشركة، ولا يتم "توزيع" الفاقد بأثر رجعي كما يشاع.
أما الخرافة الثانية المتعلقة بتعمد الشركات "خفض الجهد ورفع التيار"، فهي فرضية صحيحة نظرياً لكنها خاطئة في جوهر التطبيق. إن انخفاض الجهد الكهربائي هو نتيجة طبيعية لزيادة الأحمال على الشبكة وليس تلاعباً من الشركة. والصحيح أن القدرة ثابتة في الأجهزة الحديثة (القدرة = الجهد × التيار)، وبالتالي فإن انخفاض الجهد يؤدي لارتفاع التيار لتعويض النقص، إلا أن هذا الارتفاع في التيار لا يزيد "القدرة المستهلكة" المسجلة، بل يؤدي علمياً إلى ارتفاع حرارة الأسلاك (فقدان طاقة على شكل حرارة). ان مقدار هذا الفاقد يكون قليل جدا ويمكن اهماله في كثير من الأحيان ولكن هذا لا يعفي شركات الكهرباء من معالجة هذه "البؤر الساخنة" في الأحياء السكنية عبر تعزيز المحولات وإنشاء الشبكات المصغرة (Microgrids).
إذاً، لماذا ترتفع الفاتورة شتاءً بشكل جنوني؟ يجب هنا التمييز بين "القدرة" (Power) التي تقاس بالواط، و"الطاقة" (Energy) التي ندفع ثمنها وتقاس بـ (كيلوواط.ساعة). نحن ندفع ثمن "زمن التشغيل"؛ فالمكنسة الكهربائية بقدرة 2000 واط تستهلك في الساعة الواحدة طاقة تعادل (2 كيلوواط.ساعة). وفي الشتاء، تزداد ساعات تشغيل الأجهزة (سخانات، مدافئ)، مما يرفع كمية "الطاقة" المستهلكة حكماً.
لكن، المعضلة الحقيقية التي لا يدركها الكثيرون ليست في زيادة الاستهلاك فحسب، بل في "نظام الشرائح التصاعدي". قد يزيد استهلاكك في الشتاء بمقدار بسيط (ساعة أو ساعتين إضافيتين)، لكن الفاتورة قد تتضاعف ثلاث أو أربع مرات. السبب يكمن في القفز بين الشرائح؛ ففي الأردن، يدفع المشترك المدعوم 50 فلساً للكيلوواط في الشريحة الأولى (أول 300 ك.و.س)، ثم يقفز السعر للضعف (100 فلس) في الشريحة الثانية، ويصل إلى أربعة أضعاف (200 فلس) إذا تجاوز الاستهلاك 600 ك.و.س. ببساطة، أي زيادة طفيفة تنقلك من شريحة لأخرى ستجعل سعر الكهرباء يتضاعف عليك، مما يفسر الفجوة الهائلة بين الزيادة في الاستهلاك والزيادة في المبلغ المطلوب. فاذا زادت الفاتورة بمقدار الضعف ليس من الضروري ان يكون الاستهلاك قد زاد بمقدار الضعف!
الخلاصة والحل: إن الحل لا يكمن في لوم التكنولوجيا، بل في السياسات السعرية. أصبح واجباً وطنياً على وزارة الطاقة وهيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن إعادة النظر في هيكلة التعرفة والشرائح. إن سقف (300 ك.و.س) للشريحة الأولى لم يعد كافياً للمنزل الأردني البسيط، خاصة مع التوجه العام للهروب من المحروقات الملوثة والمكلفة نحو التدفئة الكهربائية. لذا، فإن توسيع حدود الشرائح وتعديل أسعارها هو السبيل الوحيد لتحقيق العدالة وحماية المواطن من فواتير الشتاء "الحارقة".



