*
الثلاثاء: 10 فبراير 2026
  • 10 فبراير 2026
  • 11:27
غرام وانتقام على وقع ثورة الشك بين الدوار والشارع
الكاتب: عماد داود

العلاقة التي تربط الأردني بالحكومة لم تعد تخضع لنواميس السياسة التقليدية، بل لموازين "الصبابة والخذلان" و"الغرام والإنتقام"!
 فالغرام هنا لا يأتي بوصفه اندفاعاً عاطفياً بل كعقد غير مكتوب يبدأ بوعد وينتهي بفاتورة!
 تتدفق الوعود الحكومية كألحان محفوظة، لا لتطرب السامعين بل لتختبر صبرهم!
 وحين تُرفع النبرة عن: "عنق زجاجة" سيتسع!، أو "قادم أجمل" سيلوح!؛ تنقبض الذاكرة قبل الجيب!؛ لأن الأردني تعلّم أن الأذن تكذب قبل العين أحياناً!، وأن ما يُقال لا يُقاس بما يُرى بل بما يُدفع!، فتصبح عندها "ثورة الشك" فعل بقاء لا مزاجاً!، ويغدو الشك فضيلةً دفاعية لا رذيلة!، لأن القلب الذي شقي بحسن ظنه لم يعد يصدق قولاً وحتى لو سمعه سمعه ألف مرة، وكأنه يهمس لحكومته: "وما أنا بالمصدق فيك قولاً.. ولكني شقيتُ بحسن ظني"!
وهكذا تتقدّم المقترحات الحكومية في موكب الهدايا والمكارم، وليس آخرها بدعة مقترح عطلة الثلاثة أيام التي يلفها الشكُّ كالضباب، ليس لأن المواطن جاحد، بل لأنه صار خبيراً في فك شفرة الحنان الرسمي!؛ فاليد التي تمنح اليوم يعرف أنها ستأخذ غداً بفائدة صامتة، والعين التي تشاهد التصريحات لم تعد ترى سوى الفراغ بين الكلمات!
 لقد تحوّلت الريبة إلى جغرافيا داخلية يسكنها المواطن وحده، يحمل فيها بطاقة هوية مكتوباً عليها: "مشكوكٌ فيه حتى يثبت العكس"!؛ فالحكومة تتعامل معه كحساب بنكي للولاء، تودع فيه الخطابات وتسحب منه الصبر! بينما هو يتعامل معها كخازن أسرار، يفتح لها أذناً ويغلق أخرى، لأنه تعلم أن التجربة مُرّة، وأن الدفع يسبق "الرفع"! ويلازمه ويتلوه!
في هذا المشهد، لا يبدو الأردني ناكراً للجميل، بل عاشقاً مجرَّباً حُرّم ومنع عليه العشق! لأنه كلما اندفع فيه دفع الثمن!، فصار يُغالط سمعه ويبصر في القرارات غير ما تُبديه الشاشات!؛ إذ لا يحملُ ركبُ الليالي سوى حقائب الوجوه التي تتبدل، بينما يظل النهج شجراً يتجذّر في عمق الزجاجة ذاتها! وكل مقترح حكومي يُقرأ كحركة داخل الإطار نفسه لا خروجاً منه! ومن "غرفة الإنعاش" الاقتصادية تُدار الطقوس، حيث تُقدَّم القرارات كإسعاف عاجل وتُسعَّر كفاتورة إقامة!، ويُطلب من المواطن أن يصفّق لأنه نجا، وأن يصمت لأن البديل أسوأ!، لكن الوجدان الجمعي الذي تآكل بالتقسيط لم يعد يقبل خطاب الخوف؛ فالشكُّ هنا صار لغةً موازيةً للخطاب الوطني، والمواطن الذي خاب ظنّه مرات لم يعد يخاف من الاتهام بالجحود، بل يخشى أن يصدق مرةً أخرى فيُخدع!
هذه «ثورة الشك» الهادئة هي الأقسى، لأنها لا ترفع يافطات، بل تبني أسواراً غير مرئية حول كل قلب، وتُعلّم الأبناء أنَّ الوعود الرسمية كالمطر الصيفي يبدو غزيراً لكنه لا يروي العطش! فما قيمة عطلة إذا كان غدها يحمل في جعبته مفاجآت جديدة؟ وما معنى منحة إذا كانت ستُردّ بأقساط من الكرامة؟!
الدولة التي تطلب الحبَّ تنسى أنَّ الحبَّ لا يختبر الولاءَ بالجباية، ولا يربط العطاءَ بالشرط!، لكن العلاقة عندنا صارت معادلةً انتحارية: كل غرام يُدفع ثمنه انتقاماً مالياً، وكلّ تودّد هو استثمارٌ في الصمت المستقبلي، حتى صار الأردني يعيش في وطَنَين: وطن الأرض والحجر، ووطن الظنون والشكوك!
الأردني يقف اليوم متيقظاً، يواجه حكومته بمرارة السؤال: «أجبني إذ سألتك هل صحيحٌ.. حديث الناس... خنت؟ ألم تخني؟»!
 وهو لا يطلب معجزة، بل يبحث عن سياسات تفهم أن الخروج من عنق الزجاجة لا يكون بتوسيعه لغوياً بل بكسره أداتياً!
 الوطن لا يكون وطناً إذا كان سجناً من ذهب، أو "عنق زجاجة" أزلي!، والحب أو الولاء لا يستقيم إذا استحال إلى عبء معيشي، وحينها فقط يدرك صانع القرار أنَّ استعادة الثقة لا تمرّ عبر بوابة البلاغة، بل عبر إغلاق "عنق الزجاجة" نهائياً!، وأن تتوقف الأذن عن الكذب قبل العين!
 المواطنُ الذي أنهكته الظنون لم يعدْ يطلب تبريراً، بل يطالب بواقع تتوقف فيه "الضرائب والرسوم الحكومية" عن ملاحقة "شارع المنهكين والغلابا"!، حتى لا يظلّ الشك هو النافذة الوحيدة التي يُطلّ منها الأردنيّ على مستقبله، وحتى لا يكون "الظن" هو الوطن الوحيد المتاح!

 
 

مواضيع قد تعجبك