*
الاحد: 08 فبراير 2026
  • 08 فبراير 2026
  • 12:06
بولندا في مواجهة النفوذ الامريكي بين التحالف والسيادة
الكاتب: د. عاصم البرقان

تشير التطورات الاخيرة في المشهد السياسي البولندي الى درجة متقدمة من التداخل بين العوامل الداخلية والضغوطات الخارجية، ولا سيما الامريكية، مما يعكس طبيعة العلاقة غير المتكافئة التي حكمت تاريخيا التفاعل بين واشنطن وحلفائها في اوروبا الوسطى والشرقية. ففي ظل رئاسة ترامب، يبدو ان السياسة الامريكية تجاه بولندا لم تعد تقتصر على التعاون الامني والعسكري، بل اتجهت نحو محاولات اكثر وضوحا للتأثير المباشر في توازنات السلطة والتحالفات الحزبية داخل الدولة البولندية.

وفي هذا السياق برزت مؤشرات متعددة على عدم رضا واشنطن عن تركيبة التحالف الحاكم في بولندا، الامر الذي دفعها الى البحث عن سيناريوهات بديلة تتيح اعادة تشكيل الحكومة من داخل البرلمان، من دون اللجوء الى انتخابات مبكرة. وتتمثل احدى هذه السيناريوهات في محاولة استقطاب الحزب الشعبي البولندي PSL الى تحالف جديد مع حزب القانون والعدالة بزعامة ياروسواف كاتشينسكي، مع السعي لاستكمال الاغلبية البرلمانية عبر قوى اخرى مثل حركة بولندا 2050 وحزب الكونفدرالية. وتوحي التحركات الدبلوماسية والتصريحات السياسية المتزامنة بوجود سعي منظم لاعادة توزيع التحالفات بما ينسجم مع المصالح الامريكية في المنطقة.
وتزداد حساسية هذا المسار مع اقترانه باستخدام ادوات ضغط صريحة، لا سيما في المجال الامني. فقد صدرت تلميحات من واشنطن تفيد بان مستقبل التعاون العسكري قد يكون موضع اعادة نظر في حال عدم اعادة ترتيب التحالفات البرلمانية وفق التصورات الامريكية. ويضع هذا النوع من الخطاب النخب السياسية البولندية امام معادلة معقدة، تجمع بين متطلبات الامن القومي من جهة، والحفاظ على الاستقلالية السياسية والمؤسساتية من جهة اخرى. كما تثار في هذا الاطار تساؤلات حول طبيعة الالتزامات التي قد تكون طرحت في لقاءات مغلقة بين مسؤولين بولنديين وامريكيين، خاصة في ظل ملفات خلافية مثل قانون 447 وما يرتبط به من مطالب تعويض ذات طابع سياسي وقانوني حساس. ويقصد بقانون 447 تشريع امريكي صدر عام 2018 يلزم وزارة الخارجية الامريكية بمتابعة وتقييم سياسات دول اوروبا الوسطى والشرقية، ومنها بولندا، في ما يتعلق بتعويض الممتلكات المصادرة من ضحايا الهولوكوست، بما في ذلك القضايا الخلافية المرتبطة بالممتلكات التي لا ورثة مباشرين لها.
ولا يقتصر اثر هذه الضغوط على السلطة التنفيذية او الاحزاب السياسية فحسب، بل يمتد الى المؤسسة التشريعية، ممثلة برئيس مجلس النواب البولندي، وهو الشخصية الدستورية الثانية في النظام السياسي بعد رئيس الدولة. فقد شكل موقفه الرافض لزج البرلمان البولندي في مبادرة سياسية تهدف الى دعم ترشيح الرئيس الامريكي ترامب لنيل جائزة نوبل للسلام محطة مفصلية في مسار التوتر مع واشنطن. هذا الرفض لم يكن ذا طابع اجرائي محدود، بل حمل دلالة سياسية واضحة تؤكد ان البرلمان، بوصفه ممثلا للسيادة الشعبية، لا يمكن توظيفه كاداة رمزية في خدمة اجندات خارجية، بغض النظر عن طبيعة العلاقات التحالفية القائمة.
وقد جاء رد الفعل الامريكي على هذا الموقف سريعا وحادا، اذ صدرت عن السفير الامريكي في وارسو تصريحات علنية تفيد بعدم استعداده للتعاطي مع رئيس مجلس النواب، وهو ما فهم على نطاق واسع بوصفه شكلا من اشكال القطيعة الدبلوماسية غير المعلنة. ويعد هذا السلوك خروجا عن الاعراف الدبلوماسية التقليدية، التي تفرض على البعثات الدبلوماسية احترام المؤسسات الدستورية للدولة المضيفة والتعامل معها بغض النظر عن الخلافات السياسية او الايديولوجية. كما عكس هذا الموقف انتقالا من ممارسة الضغط السياسي غير المباشر الى اسلوب العقاب الدبلوماسي العلني بحق مسؤول منتخب.
اما على مستوى الراي العام، فقد كشفت ردود الفعل الشعبية، ولا سيما في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، عن تحول لافت في ادراك شريحة واسعة من البولنديين للسلوك الامريكي. فقد اظهرت النقاشات العامة ان الولايات المتحدة لم تعد ينظر اليها بالاجماع السابق بوصفها قوة فوق النقد او المساءلة. ويعود هذا التحول جزئيا الى اسلوب الخطاب السياسي الذي طبع مرحلة ترامب، والذي اتسم بالحدة والمباشرة، وانعكس في اداء ممثليه الدبلوماسيين في عدد من الدول، من بينها بولندا.

في المقابل، لا يزال هناك معسكر سياسي بولندي يتبنى موقفا مؤيدا لواشنطن على نحو شبه مطلق، بغض النظر عن مضمون التدخل الامريكي او اسلوبه. وقد تجسد هذا الموقف بوضوح في اصطفاف حزب القانون والعدالة الى جانب السفارة الامريكية في النزاعات الاخيرة، وكذلك في مواقف صدرت عن مؤسسات رسمية، الامر الذي اسهم في تعميق الانقسام الداخلي واثار انتقادات من اوساط سياسية ترى في هذا السلوك انتقاصا من استقلال القرار الوطني، وتماهيا مفرطا مع رغبات طرف خارجي.
وتزداد هذه الاشكالية تعقيدا مع بروز انطباع عام بوجود تنسيق سياسي واعلامي بين السفارة الامريكية وبعض الفاعلين المحليين، سواء على مستوى الاحزاب او مؤسسة الرئاسة، في حملات تستهدف شخصيات سياسية بعينها داخل البرلمان. ورغم صعوبة اثبات هذه الفرضيات بصورة قاطعة، فان تزامن الاحداث، وتشابه الخطاب، وحدته، يعزز الشكوك حول حدود الاستقلالية الفعلية لبعض مراكز القرار.
في المحصلة، تعكس الحالة البولندية نموذجا دالا على التوتر البنيوي بين متطلبات التحالف الاستراتيجي مع قوة عظمى، وبين مقتضيات السيادة والمؤسسات الدستورية والديمقراطية الداخلية. كما تكشف عن تحول تدريجي في وعي الراي العام، الذي بات اكثر استعدادا للتشكيك في شرعية التدخل الخارجي، حتى عندما يصدر عن حليف تقليدي. وهو تحول قد تكون له تداعيات بعيدة المدى على طبيعة العلاقة بين بولندا والولايات المتحدة، وعلى موقع بولندا داخل المنظومة الاطلسية في السنوات المقبلة.

مواضيع قد تعجبك