خبرني - من بين كل 125 مليون شخص، ثمة واحد فقط يصاب بمرض «سيبا» (CIPA)، وفي تقديرات أخرى أوسع لعدم الإحساس بالألم بشكل عام، تصل النسبة إلى حالة واحدة لكل مليون شخص.
ومرض سيبا هو اختصار لمتلازمة «عدم الإحساس الخلقي بالألم مع عدم التعرق»، وهو اضطراب وراثي نادر جدًا وخطير يصيب الجهاز العصبي منذ الولادة، من خصائصه فقدان الإحساس بالألم والحرارة، فلا يشعر المصاب بالجروح، أو الحروق، أو حتى كسور العظام، كما لا يستطيع جسمه تبريد نفسه عبر العرق، مما يؤدي لنوبات حمى متكررة وشديدة، وقد يقود بعض المصابين إلى عض ألسنتهم أو شفاههم أو أصابعهم بشكل لا إرادي بسبب فقدان الإحساس.
وهو يعد من أندر الأمراض الوراثية، حيث تقدر الحالات المسجلة عالميًا به (حوالي 300 إلى 500 حالة موثقة)، ويزداد في المجتمعات التي تكثر فيها صلة القرابة، أو المغلقة وراثيًا.
هبة الألم
نعاني جميعًا من آلامٍ مبرحة؛ وبسببها نلجأ سريعًا إلى المسكنات، لكن، خلف هذا الشعور المزعج، تختبئ حقيقة نغفل عنها كثيرًا: أن الألم نعمة عظيمة. فهو اللغة التي يتحدث بها الجسد، لينبهنا إلى خللٍ في مكانٍ ما، فنهرع إلى الطبيب أو نتناول المسكنات. إلا أن هناك من يعيش بلا هذه اللغة تمامًا.
إنهم أشخاص نادرون يعانون من أمراض تجعل أجسادهم صامتة أمام الجروح والكسور والحروق، فلا تصلهم إشارة الألم التي تنقذنا نحن عادةً، ومن هؤلاء من يولد بهذا الخلل العصبي الوراثي (سيبا)، ومنهم من يفقد الإحساس لاحقًا بسبب أمراض مثل الجذام، أو السكري، أو التصلب اللويحي، أو إصابات النخاع الشوكي.
مقدمة الظاهرة
يقول الدكتور محمد طلال الرفاعي (رئيس قسم طب أعصاب الأطفال) إن الألم ليس مجرد إحساس مزعج، بل منظومة دقيقة تعمل بتنسيق مذهل بين الأعصاب والدماغ. يبدأ كل شيء عند حدوث جرح أو حرق أو ضغط شديد على جزء بالجسم، فتتحفّز نهايات عصبية صغيرة تُسمّى «مستقبلات الألم»، وترسل إشارات كهربائية عبر الأعصاب إلى النخاع الشوكي، ومنه إلى الدماغ فيترجمها إلى الشعور بـ«الألم».
هذه الإشارات لا تُنبهنا فقط إلى الخطر، بل تُرشدنا أيضًا إلى موقعه بدقة. ولو تعطّل هذا النظام لأي سبب تختفي الإشارات تمامًا، فيبدو الجسد هادئًا من الخارج، بينما هو في داخله يتأذّى.
أنواع الألم
الألم قد يكون جسديًا بسبب إصابة أو التهاب واضح، أو عصبيًا لخلل في الإشارات بين الأعصاب والدماغ. وقد يكون حادا فيستمر أقل من 3 6 شهور، ويختفي بزوال السبب، أو مزمنا فيستمر حتى بعد شفاء الجرح.
لكن الصورة لا تكتمل دون الجانب النفسي. فالمراكز الدماغية المسؤولة عن الألم الجسدي تنشط أيضًا عند الحزن أو الفقد، ولذا نقول «قلبي يؤلمني» أو «جرحني الموقف».
هنا يظهر التداخل بين الجسد والنفس؛ فالاكتئاب والقلق قادران على تضخيم الألم الجسدي، بينما تترك الصدمات النفسية أثرًا فعليًا في الأعصاب والعضلات.
ويضيف أن المصابين بمرض «سيبا» يشعرون بالمشاعر العاطفية رغم غياب الإحساس الجسدي.
كوابيس انعدام الألم
يشير الدكتور الرفاعي إلى أن من مضاعفات سيبا:
- عض اللسان والشفاه
- تقرحات
- إصابات الأطراف
- مشاكل القرنية بسبب غياب الإحساس
ونصح باستخدام النظارات الواقية، والتفقد اليومي للجسم، وأحيانًا خلع الأسنان لحماية اللسان والشفة.
تجربة واقعية
تحكي نورة قصة ابنتها (جمانا) التي وُلدت مصابة بـ(سيبا)، وتقول «منذ أشهرها الأولى لاحظت عليها أمورًا غريبة. بسن الـ6 أشهر، لاحظتها تعضّ أصابعها حتى نزفت. فأدركت أنها تعاني المرض نفسه الذي يعانيه عمّها».
وتسترسل «لأنها لم تكن تشعر بالألم نهائيًا. نزعتُ أسنانها الصغيرة حتى لا تؤذي نفسها، وكنت ألبسها واقيات للرأس والركب حتى لا تُصاب عند السقوط».
وتضيف «كانت تراجع المستشفى باستمرار. أطباء الأعصاب كانوا يجرون لها تخطيطًا للمخ والأعصاب كل 6 أشهر ويصرفون لها الديباكين؛ وهو علاج تحكم بالنوبات العصبية وارتفاعات النشاط الكهربائي في الدماغ».
أما عن الدعم النفسي، فتقول «كانت تخضع لجلسات شهرية تعلمها كيف تحمي نفسها. كانت تعاني من عادة نتف الشعر، فنصحني الأطباء أن أشتري لها دمية بشعر طويل لتتعلم تصفيفه بدل نتفه. وطلبوا مني أن أحذرها دائمًا من المرتفعات والأشياء الساخنة والحادة، وأعرض عليها مقاطع توعوية بسيطة».
وختمت «كلما كبرت زادت حالتها صعوبة، وتوفيت في حضني، وهي في الـ11 من عمرها».
هل الألم مفيد
«الألم نعمة.. وفقدانه مصيبة خطيرة قد تؤدي إلى فقدان الحياة مبكرًا»، هكذا يقول الدكتور الرفاعي، ويضيف أن «اكتشاف المرض يكون مبكرًا؛ فالطفل الذي لا يبكي عند وخز الإبرة، أو لا يشعر بالألم عند الختان، كلها مؤشرات تستدعي الفحص».
من جانبه يذكر الدكتور بشير (استشاري علم النفس الصحي) أن «غياب الإحساس بالألم لا يؤثر فقط على سلامة الجسد، بل يترك أثرًا عميقًا على التجربة النفسية والإنسانية للمصاب. فالألم، ليس مجرد إحساس جسدي، بل نظام إنذار بيولوجي، ولغة مشتركة للتعاطف والتعلّم من التجربة».
ويشير إلى أن «المصابين بانعدام الإحساس بالألم يواجهون صعوبة في إدراك الخطر وفهم معاناة الآخرين، ليس بسبب نقص التعاطف الإنساني، بل لغياب التجربة الحسية الأساسية التي يعتمد عليها معظم الناس لبناء هذا الفهم».
ويرى أن الألم الجسدي والعاطفي يشتركان في دوائر عصبية متقاربة في الدماغ، ما يفسّر العلاقة الوثيقة بين الألم والمشاعر. ويؤكد أن الأطفال الذين لا يشعرون بالألم يحتاجون إلى دعم نفسي وسلوكي مضاعف، لتعويض غياب هذه الإشارة الطبيعية، من خلال التوجيه المستمر، والتوعية، وبناء مفهوم الخطر بالفهم لا بالإحساس.
وختم «حالات مثل (سيبا) تعلّمنا درسًا إنسانيًا عميقًا؛ فالألم، رغم قسوته، ليس عدوًا للحياة، بل أحد أهم أدوات حمايتها، وجسر لفهم الذات والآخرين».
سيبا
اختصار لمتلازمة عدم الإحساس الخلقي بالألم مع عدم التعرق.
اضطراب وراثي نادر جدًا وخطير يصيب الجهاز العصبي منذ الولادة.
خصائصه فقدان الإحساس بالألم والحرارة، وعدم التعرق، والإصابات الذاتية، ومشاكل المفاصل والعظام.
الألم نظام إنذار طبيعي وعند فقدانه قد يصاب الإنسان بأي مرض دون أن يدري وقد يقود للوفاة.



