*
الاحد: 25 يناير 2026
  • 25 يناير 2026
  • 19:21
من أبو شاكوش إلى الكريستال كيف تحولت المخدرات في الأردن
الكاتب: ابراهيم الزرقان


في تسعينيات القرن الماضي، كان المجتمع الأردني يترقب بشغف مشوب بالحذر صدور صحيفة "شيحان" الأسبوعية، ليطالع تفاصيل "جريمة الشهر". حينها، كانت الجريمة حدثاً استثنائياً يملأ مجالس الأردنيين لأسابيع، بل إن قضية مثل "أبو شاكوش" ظلت حديث الشارع لعام كامل. أما اليوم، فقد تبدّل المشهد تماماً؛ لم نعد نتساءل "هل وقعت جريمة؟" بل "ما هي تفاصيل الجريمة الجديدة؟" وغالباً ما يكون خلف الستار بطل واحد مرعب المخدرات .


تكشف الإحصائيات الرسمية للفترة بين (2020 - 2024) عن واقع صادم يتجاوز فكرة "الحالات الفردية". نحن نتحدث عن 105,727 جريمة مخدرات خلال خمس سنوات فقط. هذا المنحنى التصاعدي يثير القلق؛ فمن 20 ألف جريمة في عام 2020، قفز الرقم ليصل إلى أكثر من 25 ألف جريمة في عام 2024. 

هذه الأرقام ليست مجرد حبر على ورق، بل هي انعكاس لتحول خطير في بنية المجتمع؛ فالأردن الذي كان يُصنف لعقود كـ "دولة ممر"، يواجه اليوم تحدي التحول إلى "مستقر" للاستهلاك، مع استهداف مباشر للفئات العمرية الشابة في المدارس والجامعات.

من الجريمة التقليدية إلى "الجرائم المركبة"
الفرق بين جرائم "زمن شيحان" وجرائم اليوم يكمن في "النوعية". فالمخدرات، وخاصة "التخليقية" منها مثل الكريستال ميث والجوكر، حولت المتعاطي إلى "قنبلة موقوتة". لم تعد الجريمة مجرد خلاف شخصي، بل أصبحت "جرائم مركبة"؛ حيث يرتكب المدمن السرقة لتمويل جرعته، أو ينزلق نحو "جرائم غياب الوعي" التي تترجم بوحشية غير مسبوقة ضد الأصول والعائلة، كما حدث يوم أمس نتيجة الهلوسات والانفصال التام عن الواقع.

التكلفة الباهظة أبعد من الأمن
الآثار لا تتوقف عند ردهات المحاكم؛ فالمجتمع يدفع ضريبة قاسية من أمنه الصحي واقتصاده. النظام الصحي اليوم يواجه ضغطاً هائلاً للتعامل مع تبعات الإدمان، بينما تعاني الأسر من تفكك اجتماعي وجراح نفسية لا تندمل. إن المخدرات لا تدمر عقل الفرد فحسب، بل تأكل الروابط التي تجمع المجتمع، وتستبدل السكينة بحالة من التوجس الدائم.

معركة وجودية: ما العمل؟
إن مواجهة هذا المد الأسود لم تعد مسؤولية جهاز مكافحة المخدرات وحده، بل هي معركة وجودية تتطلب مقاربة وطنية شاملة 

يجب أن ندرك كأسر أردنية أن "العيب" ليس في طلب العلاج، بل في التستر على المدمن حتى يرتكب كارثة. التبليغ المبكر هو "أسمى آيات الحرص"، والتعامل مع المتعاطي في بداياته كضحية يحتاج للعلاج هو الخطوة الأولى للإنقاذ نحتاج إلى توسيع مظلة مراكز التأهيل الوطني وتطوير برامج دمج المتعافين، بالتوازي مع الضرب بيد من حديد على رؤوس المروجين وتجار الموت.
والأمن الوقائي الرقمي في ظل فضاء إلكتروني مفتوح، بات التاجر يصل إلى غرف نوم أطفالنا. الوعي اليوم يبدأ من حوار صريح بين الآباء والأبناء لسد الفجوات العاطفية التي ينفذ منها المروجون.


إن القفزة المرعبة في أعداد الجرائم تدق ناقوس الخطر الأخير. نحن لا نحارب مجرد مواد مخدرة، بل نحارب مخططاً يستهدف "العقل الأردني". إن لم نتكاتف اليوم لغرس الوعي وتحصين الجبهة الداخلية، فلن نجد غداً من يبني هذا الوطن. لقد آن الأوان لننتقل من صدمة الخبر إلى حزم المواجهة.

مواضيع قد تعجبك