خبرني - في عالمٍ باتت فيه الإنجازات تُقاس بعدد المتابعين، وحجم الظهور، وضجيج الاحتفاء، ظهر مفهوم النجاح الهادئ بوصفه نقيضاً واعياً لهذا الصخب المتزايد. فالنجاح لم يعد حكراً على من يرفع صوته أو يستعرض إنجازاته، بل أصبح في كثير من الأحيان حليفاً لأولئك الذين يعملون بصمت، ويتقدّمون بثبات، ويصنعون أثراً عميقاً دون الحاجة إلى الأضواء.
تعريف النجاح الهادئ النجاح الهادئ هو ذلك النجاح الذي ينمو بعيداً عن المقارنات والضغوط الاجتماعية، نجاح لا يستمد قيمته من تصفيق الآخرين، بل من الرضا الداخلي وتحقيق الأهداف الشخصية بوعي واتزان. هو نجاح يقوم على الاستمرارية لا السرعة، وعلى الجودة لا الكثرة، وعلى البناء العميق لا النتائج السطحية المؤقتة. فصاحبه لا يسعى لإثبات ذاته للآخرين، بل يعمل على تطويرها لنفسه، مؤمناً بأن القيمة الحقيقية للإنجاز تكمن في أثره لا في الإعلان عنه.
ويكتسب هذا المفهوم أهميته في زمنٍ تتسارع فيه الوتيرة وتزداد فيه الضغوط النفسية الناتجة عن السعي الدائم للظهور والمنافسة؛ إذ يقدّم النجاح الهادئ نموذجاً أكثر إنسانية وتوازناً للحياة، يسمح للفرد أن ينجح دون أن يفقد سلامه الداخلي، وأن يحقق طموحاته دون أن يُستنزف نفسياً أو عاطفياً. ومن هنا، لا يُعد النجاح الهادئ ضعفاً أو تراجعاً، بل هو خيار واعٍ يعكس نضجاً فكرياً وفهماً عميقاً لمعنى النجاح الحقيقي.
ماذا يقول أهل الاختصاص؟ الاختصاصية في الصحة النفسية ساندرا فاعور اللقيس تشرح مفهوم النجاح الهادئ:
في عالم يُقاس فيه النجاح بعدد الإنجازات الظاهرة وساعات العمل الطويلة، بدأت نساء كثيرات بإعادة النظر في هذا المفهوم السائد. فبعد سنوات من السعي الدائم لإثبات الذات عبر العمل المتواصل والظهور المستمر، يبرز اليوم مفهوم جديد يُعرف بـ«النجاح الهادئ»، وهو نجاح لا يحتاج إلى تصفيق أو اعتراف خارجي ليكون حقيقياً.
لطالما رُبِط نجاح المرأة بمدى قدرتها على تحمّل الضغوط وتعدد الأدوار، وكأن الإرهاق بات وساماً يُعلّق على الصدور. إلا أن هذا النموذج، وفق مختصين في الصحة النفسية، لم يعد قابلاً للاستمرار، خصوصاً في ظل ارتفاع معدلات التوتر والاحتراق النفسي بين النساء العاملات.
النجاح الهادئ، بخلاف الصورة النمطية، لا يعني التراجع أو غياب الطموح، بل هو اختيار واعٍ يقوم على الانتقاء. هو قرار امرأة تترك منصباً مرموقاً لأنه يكلّفها صحتها النفسية والجسدية، أو امرأة تفضّل مشروعاً واحداً يحمل قيمة ومعنى على سلسلة من الإنجازات الشكلية التي تستهلك طاقتها دون مقابل داخلي.
وتشير دراسات في مجال الدافعية والرفاه النفسي إلى أن الأفراد الذين يحدّدون أهدافهم انطلاقاً من قيمهم الشخصية، وليس من توقعات المجتمع، يتمتعون باستقرار نفسي أعلى وإجهاد عاطفي أقل. فالنجاح عندما يكون نابعاً من الداخل، يصبح أكثر توازناً واستدامة.
ورغم ذلك، تتابع فاعور"غالباً ما يُساء فهم هذا الخيار. فالمرأة التي ترفض فرصاً مغرية، أو لا تكون متاحة على مدار الساعة، أو لا تلهث خلف كل ما يُعرض عليها، تُوصَف أحياناً بأنها أقل التزاماً أو طموحاً. غير أن الواقع يعكس صورة مختلفة تماماً؛ إذ إن هؤلاء النساء يمارسن نوعاً متقدماً من الوعي الذاتي، ويضعن حدوداً واضحة تحمي صحتهن وتماسكهن الداخلي".
وفي ثقافة تمجّد الإرهاق والعمل المفرط، تؤكد الأبحاث أن الضغط المزمن يؤثر سلباً على القدرة على التفكير، والإبداع، والاستقرار العاطفي. من هنا، يرفض «النجاح الهادئ» مبدأ النجاح على حساب الذات، ويطرح معادلة جديدة قوامها التوازن بدل الاستنزاف.
ومن ملامح هذا النجاح أيضاً التخلي عن المقارنة المستمرة، خصوصاً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ترتبط المقارنات الرقمية بارتفاع مستويات القلق وعدم الرضا عن الحياة. فالمرأة التي تعتمد النجاح الهادئ لم تعد تقيس حياتها بمسارات الآخرين، بل بمعايير أكثر خصوصية، كالسلام الداخلي، والاستمرارية، وجودة الحياة بعيداً عن أعين المتابعين.
النجاح الهادئ، في جوهره، ليس موقفاً سلبياً، بل خيار شجاع. شجاعة خذلان التوقعات، وشجاعة وضع الحدود، وشجاعة تعريف النجاح بطريقة شخصية في عالم يطالب دائماً بالأداء والاستعراض.



