ما بين السابع عشر والثالث والعشرين من كانون الثاني، لم يكن الأسبوع عاديًا في المشهد الأردني، بل بدا وكأنه مساحة اختبار هادئة لقرارات كبيرة تُطبخ على نار هادئة، في ظل تداخل كثيف بين الداخل المرهق اقتصاديًا والخارج المضطرب سياسيًا. أسبوع لم تكثر فيه العناوين الصاخبة، لكنه كان غنيًا بالإشارات، والقرارات، وردود الفعل التي تستحق قراءة متأنية لا تكتفي بوصف الحدث، بل تفكك معناه وسياقه.
في صلب هذا الأسبوع، برز خيار الأردن بدراسة الانضمام إلى ما يسمى بـ«مجلس السلام» الذي دعا إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو خيار أثار نقاشًا سياسيًا وشعبيًا عميقًا، تجاوز فكرة المشاركة من عدمها، إلى سؤال أكبر يتعلق بوظيفة الأردن الإقليمية وحدود حركته في نظام دولي يعاد تشكيله خارج الأطر التقليدية. الموقف الرسمي اتسم بالحذر المدروس، لا بالرفض المتسرع ولا بالقبول المجاني، في انسجام مع مدرسة أردنية قديمة تقوم على الواقعية السياسية وإدارة المخاطر لا القفز في المجهول. فالانخراط المحتمل، إن حصل، لا يُقرأ بوصفه اصطفافًا أو تفويضًا، بل كحضور تأثيري من الداخل، يحاول تعديل المسارات بدل تركها تُرسم في غياب أصحاب المصلحة الحقيقيين.
هذا الخيار، وإن بدا للبعض إشكاليًا، يجد تبريره في معطيات جيوسياسية صلبة؛ فالأردن ليس لاعبًا هامشيًا في القضية الفلسطينية، بل فاعلًا بنيويًا يتقاطع أمنه الوطني مع أي ترتيبات تخص غزة أو الضفة أو القدس. الغياب عن طاولات النقاش لا يحمي المصالح، بل يتركها عرضة لإعادة الصياغة من دون صوت أردني. ومع ذلك، عبّر الشارع الأردني بوضوح عن قلقه المشروع من أي مسار قد يفضي إلى شرعنة حلول تتجاوز القانون الدولي أو تنتقص من الحقوق الفلسطينية، وهو قلق لا يمكن التقليل من شأنه، لأنه يعكس وعيًا سياسيًا جمعيًا لا مجرد انفعال عابر.
داخليًا، واصلت الحكومة اتخاذ قرارات اقتصادية ذات طابع احتوائي، شملت دعم قطاعات إنتاجية، وتشديد الرقابة على الأسواق، ومحاولات الحد من آثار التضخم على السلع الأساسية. هذه القرارات قوبلت بتفاعل شعبي حذر؛ ترحيب مشروط بتحقيق أثر ملموس، وانتقاد لبطء التنفيذ واتساع الفجوة بين الخطاب والمؤشرات الميدانية. البرلمان بدوره كان حاضرًا في المشهد، عبر تصعيد رقابي محسوب، ركّز على العدالة في توزيع الأعباء، وضرورة حماية الطبقة الوسطى، وهو ما يعكس ضغطًا حقيقيًا من القواعد الشعبية، حتى وإن شابه أحيانًا خطاب إنشائي أو شعبوي.
اجتماعيًا، انشغل الأردنيون بتفاصيل حياتهم اليومية التي لا تقل أهمية عن السياسة الكبرى: انتهاء امتحانات التوجيهي التكميلية، ترقب النتائج، القلق من كلفة المعيشة في فصل الشتاء، وتداعيات الطقس البارد على الفئات الأقل حظًا. هذه التفاصيل، وإن بدت عادية، إلا أنها تشكل البوصلة الحقيقية لقياس نجاح السياسات العامة، لأنها تمس العقد غير المكتوب بين الدولة والمواطن.
إن ما جرى خلال هذا الأسبوع يؤكد أن الأردن يقف في منطقة رمادية معقدة، يحاول فيها التوفيق بين ثوابته السياسية وضغوط الواقع الدولي، وبين متطلبات الداخل المحدودة الصبر. خيار الانضمام إلى مجلس السلام، إن تم، يجب أن يكون مشروطًا، محدد السقف، ومحصنًا بخطوط حمراء سيادية واضحة، لأن الخطر لا يكمن في المشاركة بحد ذاتها، بل في الانزلاق من التأثير إلى التورط. كما أن التحدي الاقتصادي لن يُحل بإجراءات جزئية، بل يحتاج إلى سياسات أكثر جرأة تعيد الثقة وتحوّل الأرقام إلى تحسن ملموس في حياة الناس.
الأسابيع المقبلة ستشهد مزيدًا من الضغط الشعبي والبرلماني، ومزيدًا من الاختبارات للخطاب الحكومي، خصوصًا في ملف السياسة الخارجية والاقتصاد. أما النصيحة، فهي أن تُدار المرحلة بعقل بارد ولسان صريح؛ فالدولة التي تشرح لمواطنيها منطق قراراتها، لا نواياها فقط، تحصّن نفسها من الارتدادات، وتحوّل القلق إلى شراكة. في زمن السيولة الدولية وتهالك اليقينيات، قد لا يكون أمام الأردن خيارات مثالية، لكن بوسعه دائمًا اختيار الأقل كلفة، شريطة أن تبقى المصلحة الوطنية هي المرجعية الوحيدة، لا خرائط الآخرين ولا استعجال اللحظة



