أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) سيتوصلان إلى اتفاق بشأن مستقبل غرينلاند يُرضِي الطرفين، وذلك قبيل توجهه إلى المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس اليوم الأربعاء.
وقد أعلن البيت الأبيض أن طائرة الرئيس ترمب اضطرت للعودة إلى قاعدة أندروز الجوية التي أقلعت منها مساء الثلاثاء بسبب "عطل كهربائي بسيط"، بعد وقت قصير من توجهها إلى سويسرا.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، إن الطائرة الرئاسية "إير فورس ون" عادت إلى قاعدة أندروز الجوية المشتركة في إجراء احترازي، حيث سينتقل ترمب ومرافقوه إلى طائرة أخرى لمواصلة رحلتهم لحضور المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
وقال ترمب خلال مؤتمر صحفي عقده يوم الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لديها "اجتماعات عديدة مقررة بشأن غرينلاند" خلال المؤتمر السنوي للمنتدى الاقتصادي في سويسرا.
وأوضح ترمب في مؤتمر صحفي أنه يشك في أن تتخلى الدول الأوروبية عن التزاماتها بالاستثمار في الولايات المتحدة إذا اتخذ إجراءً لضم غرينلاند.
جاء ذلك في إطار خطاب ألقاه ترمب واستمر ساعة وأربعين دقيقة في البيت الأبيض.
وعندما سُئل عن مدى استعداده للمضي قدُماً في ضم الجزيرة، أجاب: "ستعرفون ذلك بأنفسكم".
تأتي تصريحاته في يوم هيمنت فيه سياسته الخارجية على المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
واتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الولايات المتحدة بمحاولة إضعاف أوروبا وإخضاعها، بينما وعدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بردّ حازم على تهديد ترمب بفرض تعريفات جمركية.
وفي المؤتمر الصحفي، أوضح أحد الصحفيين لترمب أن "سكان غرينلاند أبدوا عدم رغبتهم في أن يكونوا جزءاً من الولايات المتحدة"، فردّ ترمب بأنه عندما يتحدث إلى سكان الجزيرة، "فإنه متأكد من أنهم سيسعدون بذلك".
وفي وقت سابق من اليوم نفسه، قال ترمب إنه "لا تراجع" عن هدفه المتمثل في السيطرة على غرينلاند، رافضاً استبعاد الاستيلاء على الجزيرة القطبية بالقوة.
وقال: "أعتقد أننا سنتوصل إلى حل يُرضِي الناتو ويُرضِي أنفسنا، لكننا نحتاجه لأغراض أمنية"، مضيفاً أن قوة الحلف مرهونة بقوة واشنطن، وأن الناتو "أقوى بكثير" منذ توليه منصبه في البيت الأبيض، ومن دون الولايات المتحدة "لن يكون قوياً".
"لا نريد أن نكون أمريكيين"
في مقابلة مع برنامج "نيوزنايت" على قناة بي بي سي، مساء الثلاثاء، صرّحت وزيرة الصناعة والموارد الطبيعية في غرينلاند، ناجا ناثانييلسن، بأنّ سكان غرينلاند "مندهشون" من مطالب الرئيس ترمب.
وقالت ناثانييلسن: "لا نريد أن نكون أمريكيين، وقد أوضحنا ذلك جلياً".
وأضافت متسائلة: "أي قيمة تضعونها في الميزان لثقافتنا وحقنا في تقرير مصيرنا؟".
وكان يوم الثلاثاء اليوم الأول لمنتدى دافوس، تطرقت فيه رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى الموضوع مباشرةً في خطابها أمام الحضور، مؤكدةً التزام أوروبا التام بأمن القطب الشمالي.
ومع ذلك، أشارت إلى أن هذا لا يمكن تحقيقه إلا بالتعاون، ووصفت الرسوم الجمركية الإضافية التي اقترحها ترمب بأنها "خطأ".
وكان الرئيس الأمريكي قد صرّح بأنه سيفرض رسوماً جمركية بنسبة 10 في المئة على جميع السلع المستوردة من ثماني دول أوروبية اعتباراً من 1 فبراير/شباط، إذا عارضت هذه الدول اقتراحه بضم غرينلاند.
وأضافت فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي يقف "متضامنا تماماً" مع غرينلاند ومملكة الدنمارك، مؤكدةً أن سيادتهما "غير قابلة للتفاوض".
وقد أيّد تصريحاتها رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، الذي قال إن التزام بلاده بالمادة الخامسة من حلف الناتو "ثابت لا يتزعزع"، وهي المادة التي تنص على أن أي هجوم مسلح على عضو أو أكثر يُعد هجوماً على الأعضاء كافة.
وقال كارني: "نقف بحزم مع غرينلاند والدنمارك، وندعم حقهما الفريد في تقرير مصير غرينلاند".
وفي تصريحاته، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنه يفضل "احترام المتنمرين" و"سيادة القانون على الوحشية".
وفي وقت سابق من يوم الثلاثاء، هدد ترمب بفرض تعريفة جمركية بنسبة 200 في المئة على النبيذ والشمبانيا من فرنسا، بعد أن أفادت التقارير بأن ماكرون رفض دعوة للانضمام إلى "مجلس السلام" في غزة.
وأدان الرئيس الفرنسي "التراكم المستمر للتعريفات الجمركية الجديدة" ووصفه بأنه "غير مقبول بتاتاً"، لا سيما عندما يُستخدم "كورقة ضغط ضد السيادة الإقليمية".
وقال إن المنافسة التي تخوضها الولايات المتحدة في اتفاقيات التجارة التي "تقوّض مصالحنا التصديرية، وتطالب بأقصى قدر من التنازلات، وتهدف علناً إلى إضعاف أوروبا وإخضاعها"، بالإضافة إلى "تراكم التعريفات الجمركية الجديدة بلا نهاية"، أمرٌ "غير مقبول تماماً".
وأضاف أن فرنسا وأوروبا متمسكتان "بشكل واضح" بالسيادة الوطنية والاستقلال، وأن هذه المبادئ هي التي دفعت بلاده للمشاركة في المناورات العسكرية في غرينلاند "دون تهديد أحد، بل دعماً لحليف في دولة أوروبية أخرى - الدنمارك".
ويُعد ماكرون من بين الذين يحثون الاتحاد الأوروبي على النظر في خيارات الرد على التعريفات الأمريكية، ومنها أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي والسياسي، التي تُلقب بـ"بازوكا التجارة".
وقالت مصادر مطلعة على لجنة التجارة الدولية إن البرلمان الأوروبي يعتزم تعليق الموافقة على الاتفاقية التجارية مع واشنطن التي أُبرمت في يوليو/تموز، في خطوة من شأنها أن تُشكل تصعيداً جديداً للتوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا.
ومن المقرر الإعلان عن قرار التعليق في ستراسبورغ، بفرنسا، يوم الأربعاء.
وفي مقابلة مع شبكة "إن بي سي نيوز"، قال ترمب إنه يتعيّن على القادة الأوروبيين التركيز على روسيا وأوكرانيا، "وليس غرينلاند"، وأكّد أنه سينفّذ "بنسبة 100 في المئة" تهديداته بفرض المزيد من الرسوم الجمركية حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن غرينلاند.
استحواذ واشنطن على غرينلاند "يصب في مصلحة حلف الناتو"
في السياق ذاته، قال وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، إن غرينلاند يجب أن تصبح جزءاً من الولايات المتحدة لتجنّب الصراعات المستقبلية.
وفي مؤتمر صحفي على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، قال بيسنت إنه في حال وقوع هجوم على غرينلاند، ستُجرّ الولايات المتحدة إليه على أي حال، لذا من الأفضل ضم غرينلاند الآن، لأن الولايات المتحدة هي "الأقوى" و"الأكثر نفوذاً" في العالم.
وأضاف: "الأفضل الآن. السلام من خلال القوة".
وعند سؤاله عن تعليقه على احتمال رد أوروبا على التهديدات بفرض تعريفات جمركية، قال بيسنت: "أعتقد أن ذلك سيكون تصرفاً غير حكيم على الإطلاق".
وقال الجنرال المتقاعد جاك كين لقناة فوكس نيوز إن الولايات المتحدة تستطيع أن تقدّم لأمن وازدهار غرينلاند أكثر مما تستطيع الدنمارك تقديمه.
وأشار إلى أن استحواذ الولايات المتحدة المحتمل على غرينلاند "يصب في مصلحة حلف الناتو"، إذ "بإمكان الولايات المتحدة أن تقدم أكثر" للأمن الإقليمي مما تستطيع الدنمارك تقديمه".
وقال كين، الذي شغل منصب نائب رئيس أركان الجيش الأمريكي خلال الفترة من 1999 إلى 2003، إنه يجب وضع خطة تصب في مصلحة جميع الأطراف المعنية.
وأضاف: "بإمكاننا مساعدة سكان غرينلاند على الازدهار".
تقليص أمريكي في قيادة الناتو
في الوقت نفسه، تعتزم الولايات المتحدة تقليص عدد أفرادها المتمركزين في عدد من مراكز القيادة الرئيسية لحلف الناتو، وهي خطوة قد تُفاقم المخاوف في أوروبا بشأن التزام واشنطن بالحلف، وفقاً لما ذكرته ثلاثة مصادر مطلعة هذا الأسبوع.
وفي إطار هذه الخطوة، التي أبلغت بها إدارة ترمب بعض العواصم الأوروبية، ستلغي الولايات المتحدة نحو 200 وظيفة من هيئات الناتو التي تُشرف على العمليات العسكرية والاستخباراتية للحلف وتُخطط لها، بحسب المصادر التي تحدثت لوكالة رويترز وطلبت عدم الكشف عن هويتها لمناقشة محادثات دبلوماسية خاصة.
ومن بين الهيئات المتأثرة، وفقاً للمصادر، مركز دمج المعلومات الاستخباراتية التابع لحلف الناتو في المملكة المتحدة، وقيادة قوات العمليات الخاصة المتحالفة في بروكسل.
كما سيتم تقليص دور منظمة سترايكفورناتو في البرتغال، التي تُشرف على بعض العمليات البحرية، بالإضافة إلى عدد من هيئات الناتو المماثلة الأخرى، بحسب المصادر ذاتها.
ولم تُحدد المصادر سبب قرار الولايات المتحدة خفض عدد الموظفين المُخصصين لمهام حلف الناتو، إلا أن هذه الخطوات تتوافق بشكل عام مع نية إدارة ترمب المعلنة لتوجيه المزيد من الموارد نحو نصف الكرة الغربي.



