خبرني - (قصة قصيرة بقلمٍ يَكتُبُ بالدَّمعِ قبل الحبر)
بقلم/ أ.د. بسام الشخريت
عادَ إلى وطنه بعد غربةٍ تجاوزت عُمر النخلة، عاد يحمل على كتفيه جبال السنين، وعلى ملامحه غبارَ الغياب، وعلى قلبه وطناً صغيراً اسمه "أبنائي".
لم يكن عابراً على أرضٍ يجهلها، بل عائداً إلى بيتٍ كان ذات يومٍ ضوءاً في عينيه، وصوت ضحكات أطفاله يسكن زواياه كصلاةٍ تُتلى كل مساء.
ثلاثة وعشرون عاماً في ديارٍ نُسِجَ شتاؤها من الغربة، وصيفها من الشقاء. عَلَّم في الجامعات، نشر الأبحاث، كَرَّمته قاعاتُ العلم، وصفّق له طلابٌ من جنسياتٍ شتّى.
لكنه لم يكن يومًا إلا "أباً"، تَعلَّم أنَّ النجاح الحقيقي ليس في الألقاب، بل في أن يرى أبناءه يكبرون في عافية.
أرسل لهم كل ما جمعته يداه من تعب، لم يكن يسأل: "كم تبقّى لي؟" بل "هل يكفيهم؟"
تخلّى عن دفء الصحبة، وعن لذّة الحياة، كي يبني لهم جسراً من الأمان، ليمشوا عليه دون أن تَخدش أرواحهم أشواك الحياة.
عاد، وكان يظنّ أن الأبواب ستُفتح له بلهفة، وأن القلوب سَتَفرِشُ له ضفائر الشوق، وأنَّ أول سؤال سيسمعه:
"كيف كنتَ وحدك كل هذه السنين؟"
لكن السؤال الأول كان:
"متى ستوقِّع ورقة الطلاق؟"
قالتها زوجته بجمودِ الحجر، وكأنها تخلّت عن أنوثتها حين نسيت وفاء الرجل الذي عاش من أجلهم، لا من أجل نفسه.
لم تنتظر أن يستقرّ، لم تمنحه حتى كوبَ ماءٍ بعد سفر العمر، بل قادته إلى المحكمة كأنما هو غريبٌ دخل عليهم صدفة.
وَقَعَ الطلاق.
وسقط الحُلم كما تسقط ورقةٌ في خريفٍ قاسٍ.
لكن الحطام لم ينتهِ هناك.
رفَعَتْ عليه دعوى نفقة، وكأنّه الأب الذي هرب، لا الذي حضر…
وكأنَّ سنوات العطاء لم تكن أكثر من وَهْمٍ لا يعترف به القانون ولا القلوب.
ثم وضعت اسمه على قائمة الممنوعين من السفر، كأنها أرادت أن تنتقم من وفائه بتقييد حريته، وأن تصادر ما تبقى من كرامته تحت بند القانون.
لكنه صبر.
فالأب، وإن انكسر، يظلّ واقفاً لأجل أبنائه.
لكنه لم يكن يعلم أن الطعنة الكبرى ستخرج من أكمامهم، لا من خصومه.
ابنته الكبرى، نور عينيه، التي حملها على كتفه يوم مَرِضَتْ، والتي علّمها كيف تكتب اسمها… وقفت في المحكمة تشكو والدها.
قالت للقاضي: "يجب أن يُنفق عليّ"، وهو الذي ما عرف إلا أن يُنفق عمره كله لأجلهم.
تَبِعَتها أختها، ثم الأخرى، ثم أتى أخوهم الأصغر، ذلك الذي كان يُقبّل جبين أبيه قبل النوم… رفض السلام، وأدار وجهه كأنّ الدم الذي يجمعهم قد تلوّن.
كانوا أربع شموع، صارت لهباً أحرق يديه.
تبدّلوا.
كأنهم ما عرفوا يوماً قلبَه، ولا شعروا برجفة صوته حين يدعو الله لهم.
كأنهم ما قرأوا في عينيه الفخر وهم يتخرجون، ما سمعوا نبض قلبه حين كان يفرح بهم سرّاً ويبكي خوفاً عليهم سرّاً.
أصبح البيت مقبرةً عامرة بالذكريات.
الجدران تحفظ أسماءهم، والوسائد تحتفظ برائحة شعرهم، لكنه وحده هناك… لا ظلّ، لا ضحكة، لا صدى.
يتجوّل بين الغرف كمن يبحث عن ماضٍ ضاع، عن طفولةٍ سرقها العقوق، عن أيامٍ لم يقدّرها أحد.
يقف عند الشرفة، ويهمس للدنيا:
"يا رب، أعطيتهم من نفسي حتى نَسِيَتْني… فكيف نَسوني؟"
ويبكي.
لا بكاءَ الضعفاء، بل بكاءَ المظلومين الذين طعنهم أحبّ الناس إليهم.
بكاءُ من قدّم قلبه طبقاً من ذهب، فداسوا عليه بأقدامٍ من جحود.
وهكذا…
صار الأب متهماً بعد أن كان قدِّيساً في صمتِه، وصار الحب جريمة يعاقَب عليها، وصار الحنان قميصاً يُخلع عند أول نزاع.
وبات مَنفيٌ في وطنه، وسجيناً في بيته، وغريباً في ذاكرة من سمّاهم "ودائعي".
وفي ليلهِ الطويل، يكتبُ على جدار القلب:
"يا مَنْ تَعُقُّون آباءكم،
إن الجحود لا يَصْنَع مجداً،
وإن الدعاءَ المكسور أقسى من لَعَنَات الأعداء.
ستكبرون…
وستعرفون أن الأب ليس محفظةً، بل روح.
وأن من زرع فيكم عمره، لا يُجازى بالنكران،
بل يُبكى عليه حيّاً، قبل أن يُبكى عليه ميْتاً."
الرسالة:
تحمل هذه القصة رسالة إنسانية عميقة ومؤلمة عن جحود الأبناء ونكرانهم لتضحيات آبائهم، وتحديداً الأب الذي أفنى عمره في الغربة وحتى في وطنه ، ليمنح أبناءَه حياةً كريمةً، لكنه قوبل عند عودته بالخذلان والاتهام والنبذ.
القصة ليست مجرد سرد مؤلم، بل صرخة من قلب كل أب ظُلِم، ورسالة واعظة لكل ابن وابنة: لا تنسوا من جعلكم أولاً، وكونوا أوفياءَ لمن اختار أن يعيش لأجلكم، لا لأجل نفسه.



