*
الاثنين: 19 يناير 2026
  • 19 يناير 2026
  • 16:19
الاستثمار في الأردن نحو بيئة ثقة تُنتج التنمية
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

يشكّل الاستثمار، في جوهره العميق، التعبير الأصدق عن ثقة رأس المال بالمكان، وعن اطمئنان الإنسان للمستقبل. وحين يُذكر الأردن في هذا السياق، فإن الحديث لا ينطلق من فراغ، بل من دولة تمتلك رصيداً سياسياً وتاريخياً مهماً من الاستقرار، وموقعاً جيوسياسياً محورياً، ورأسمالاً بشرياً مؤهلاً، وهي مقومات تشكّل أساساً صالحاً لبناء بيئة استثمارية أكثر جذباً واستدامة.
إن الاستثمار لا يزدهر بالإعفاءات وحدها، ولا يُستجلب بالشعارات، بل ينمو في مناخ تتكامل فيه السياسة الرشيدة مع الاقتصاد المنتج، وتلتقي فيه القوانين العادلة مع الإدارة الكفؤة. فالمستثمر، سواء أكان محلياً أم أجنبياً، لا يبحث فقط عن العائد، بل عن وضوح القواعد، واستقرار السياسات، وقدسية العقد، وسيادة القانون على الجميع دون استثناء.
ومن هنا، تبرز أهمية ترسيخ مفهوم دولة المؤسسات، حيث تكون القرارات الاقتصادية محكومة بإطار مؤسسي ثابت، لا يتأثر بتغيّر الأشخاص أو الظرفيات، وحيث يشعر المستثمر أن القانون هو مرجعيته الأولى والأخيرة. فدولة القانون ليست مطلباً أخلاقياً فحسب، بل شرطاً اقتصادياً أصيلاً لجذب الاستثمار طويل الأمد، وحماية رأس المال، وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني.
كما أن الجهاز الإداري والتنفيذي يمثّل الواجهة الحقيقية للدولة في نظر المستثمر. وكلما اتسم هذا الجهاز بالكفاءة، والنزاهة، والسرعة، والشفافية، تحوّل من عبءٍ معيق إلى شريكٍ فاعل في التنمية. فالإدارة الرشيقة، الخالية من التعقيد والفساد، تُعدّ من أقوى الحوافز غير المباشرة للاستثمار، وأثرها في القرار الاستثماري قد يفوق في كثير من الأحيان أثر الإعفاءات الضريبية ذاتها.
وفي السياق ذاته، تكتسب التشريعات الاقتصادية المستقرة والواضحة أهمية خاصة، إذ تمنح المستثمر الطمأنينة، وتحميه من التغيّر المفاجئ في القواعد، وتكفل له حرية حركة رأس المال البشري والمالي ضمن أطر قانونية متوازنة. فحرية انتقال الأموال والخبرات، عندما تُدار بحكمة، تشكّل شريان الحياة لأي اقتصاد منفتح يسعى إلى النمو والتنافسية.
ولا يقلّ عن ذلك أهمية أن تُطرح الفرص الاستثمارية في الأردن ضمن مشاريع مدروسة بعناية، قائمة على دراسات جدوى واقعية، ومرتبطة باحتياجات الاقتصاد الوطني، وقادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية وفرص عمل مستدامة. فالمستثمر الواعي لا ينجذب إلى الوعود، بل إلى الأرقام، ولا يراهن على الخطاب، بل على التخطيط الرصين.
إن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يكمن في استقطاب رؤوس أموال عابرة، بل في صناعة بيئة استثمارية ديمومة، غير طاردة، وحاضنة موثوقة، تُبنى فيها الثقة قبل الامتيازات، ويُرسَّخ فيها الاطمئنان قبل الحوافز. فالدول التي أصبحت نماذج يُشار إليها بالبنان لم تحقق ذلك بكثرة الوعود، بل بصلابة مؤسساتها، ووضوح تشريعاتها، واستقرار سياساتها، وعدالة منظومتها القانونية.

وعندما يشعر المستثمر أن القانون مظلته، والمؤسسات مرجعيته، والإدارة شريكه لا عائقاً أمامه، يتحول الاستثمار من مخاطرة محسوبة إلى خيار تنموي مستدام. عندها لا يكون الأردن محطة مؤقتة لرأس المال، بل موطناً آمناً له، ولا بيئة اختبار، بل حاضنة إنتاج ونمو طويل الأمد.
إن خلق بيئة جاذبة للاستثمار هو فعل دولة قبل أن يكون قرار حكومة، وهو مسار تراكمي يتطلب انسجاماً بين السياسة والاقتصاد، وبين الإصلاح والاستقرار، وبين الطموح والواقعية. وحين تُدار هذه المعادلة بحكمة واتزان، يصبح الاستثمار رافعة حقيقية للتنمية الشاملة، ومؤشراً على نضج الدولة وقوة مؤسساتها.
وهكذا، فإن الأردن، بما يمتلكه من رأسمال بشري نوعي، وموقع استراتيجي، وتجربة مؤسسية راسخة، مؤهل لأن يقدّم نموذجاً استثمارياً موثوقاً، بيئة يُطمأن إليها، ويُشار إليها بالبنان، وتُختار لا لأنها الأقل كلفة، بل لأنها الأعلى ثقة والأكثر استدامة

مواضيع قد تعجبك