*
الاحد: 18 يناير 2026
  • 18 يناير 2026
  • 10:30
أطفالنا في قبضة الشاشة الخطر الصامت للأجهزة الخلوية
الكاتب: الدكتور محمد عماد العمري

في زمنٍ أصبحت فيه الأجهزة الخلوية جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية، لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة اتصال، بل تحوّل إلى عالمٍ كامل يسكن جيوب الكبار والصغار على حد سواء. غير أن الخطورة الحقيقية تبدأ حين تنتقل هذه الأجهزة من أيدي الراشدين إلى أيدي الأطفال، لتصبح رفيقهم الدائم، ومربّيهم الخفي، وموجّه سلوكهم دون أن نشعر.
لقد تغيّرت ملامح الطفولة في السنوات الأخيرة؛ فبعد أن كانت الساحات والحدائق والكتب والألعاب الجماعية تشكّل عالم الطفل، أصبحت الشاشات الصغيرة تحتل المساحة الأكبر من يومه. يجلس الطفل لساعات طويلة أمام الهاتف، متنقلًا بين الألعاب ومقاطع الفيديو ومنصات التواصل، دون رقابة كافية أو وعي بحجم التأثيرات النفسية والتربوية والصحية المترتبة على ذلك.
أولى هذه التأثيرات تتمثل في الجانب الصحي، حيث تشير الدراسات إلى أن الإفراط في استخدام الأجهزة الخلوية يؤدي إلى ضعف البصر، وآلام الرقبة والعمود الفقري، واضطرابات النوم، إضافة إلى قلة النشاط البدني، ما يرفع من احتمالية السمنة ومشكلات النمو. فالطفل الذي يقضي وقته جالسًا أمام الشاشة يُحرم من أبسط حقوقه الطبيعية في الحركة واللعب والاستكشاف.
أما على الصعيد النفسي والسلوكي، فالأمر لا يقل خطورة. إذ يسهم الاستخدام المفرط للهاتف في زيادة التوتر والعصبية لدى الأطفال، ويضعف قدرتهم على التركيز والانتباه داخل الصف وخارجه. كما يؤدي إلى العزلة الاجتماعية، حيث يفضّل الطفل العالم الافتراضي على التفاعل الحقيقي مع أسرته وأقرانه، فتتراجع مهارات الحوار، والتعاون، وحل المشكلات.
ولا يمكن إغفال الأثر القيمي والتربوي لما يُعرض عبر هذه الأجهزة. فكثير من المحتويات الرقمية لا تراعي خصوصية ثقافتنا ولا أعمار أطفالنا، وتحمل في طياتها مشاهد وسلوكيات قد تزرع العنف، أو الاستهلاك المفرط، أو التقليد الأعمى، ما يجعل الطفل عرضة للتأثر دون امتلاكه القدرة على التمييز أو النقد.
المشكلة لا تكمن في وجود الهاتف بحد ذاته، بل في غياب الضوابط التربوية لاستخدامه. فالتكنولوجيا، إن أُحسن توظيفها، يمكن أن تكون أداة تعليمية مساعدة، توسّع مدارك الطفل وتنمّي مهاراته، لكنها تتحوّل إلى خطر صامت عندما تُترك دون تنظيم أو متابعة.
من هنا تبرز مسؤولية الأسرة أولًا، ثم المدرسة والمجتمع. فالوالدان مطالبان بوضع قواعد واضحة لاستخدام الهاتف، من حيث عدد الساعات، ونوعية التطبيقات، وأوقات الاستخدام، مع توفير بدائل تربوية جذابة كالقراءة، والرياضة، والأنشطة الجماعية. كما أن الحوار مع الطفل حول ما يشاهده ويستخدمه أهم من المنع المجرد، لأن التربية تقوم على الإقناع لا المصادرة.
أما المدرسة، فيقع على عاتقها دور توعوي مهم، من خلال إدماج الثقافة الرقمية في البرامج التعليمية، وتوجيه الطلبة نحو الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، وتنمية مهارات التفكير الناقد لديهم بدل الاستهلاك السلبي للمحتوى الرقمي.
وفي النهاية، فإن أطفالنا أمانة في أعناقنا، وحمايتهم من قبضة الشاشة لا تعني عزلهم عن العصر، بل تمكينهم من العيش فيه بوعي وتوازن. فالهاتف يجب أن يكون وسيلة في خدمة الطفل، لا سيدًا يتحكم في وقته وسلوكه ومستقبله. وإن لم نتحرك اليوم لضبط هذا الواقع، فقد نجد أنفسنا أمام جيل يعرف كل شيء عن الشاشة، ولا يعرف شيئًا عن الحياة.

مواضيع قد تعجبك