*
الاحد: 18 يناير 2026
  • 18 يناير 2026
  • 10:29
اللحية الغانمة وذاكرة يا هلا بالضيف عندما يخطئ الغرب قراءة العشيرة ويُسيء بعضنا الدفاع عن وطنه
الكاتب: عماد داود

مطلقا، لم أكن لأنظر إلى زيارات السفير كحدث عابر، ولا حتى كمناسبات بروتوكولية؛ بل انظر فيها كمرآة؛ نطل منها على ذواتنا فنرتجف أمام أصالتنا، ونطل منها على الغرب فنرى أوهامه الغابرة الضائعة في ضباب التاريخ، وتكشف فينا أيضا انكسارنا أمام وهم السلطة والرمز!
 في الديوان العشائري، حيث ترصد كل غمزة وإيماءة، ويحلل كل فنجان قهوة؛ تنكشف الإشكالية: الحرارة التي لا تذيب السيادة، والأصالة التي لا تجمّد التاريخ! 
ها هو السفير يجلس بيننا، بشحمه ولحمه ولحيته الغانمة وثقافته التي علمته وتعلمه أن العلاقة بين الشعوب والدول تقوم على المصالح والبروتوكولات ليس إلا! أما نحن فنحول زيارته إلى قصيد نبطي ملحمي من قصائد المجد العشائري،  تختلط فيه الرمزية بالسياسة، والكرم بالدولة، والدفء بالقوة!

لا تشكل زيارة السفير -برأيي- حدثًا سياسيًا بقدر ما هي مرآة ثقافية تكشف ازدواجية القراءة لدينا؛ بوصفنا نعيش ازدواجية مخيفة بين دفء نستشعره وبرودة لا نراها!
 الغرب يخطئ قراءتنا عندما يبحث في ديوان العشيرة عن بقايا التاريخ، ونحن نسيء فهم ذواتنا عندما نعتقد أن حرارة القهوة يمكن أن تذيب جليد السياسة!
العشيرة الأردنية لم تكن يومًا كيانًا متحجرًا كما يشتهي الغرب أن يراها، ولا نقيضًا للدولة، بل كانت دائما العمود الفقري الذي قام عليه بناء الدولة الحديثة، مثلما كانت الشريك الحقيقي في ترسيخ الأمن والاستقرار الاجتماعي والسياسي؛ من دواوينها خرجت القيادات التي أسست الجيش العربي والأجهزة الأمنية، ومن مجالسها تشكل الوعي الوطني الذي جمع بين أصول أردنية وفلسطينية وشركسية وشيشانية وسورية ودرزية وعراقية وتركية في بوتقة ولاء واحد.
 نحن لسنا مجرد قبيلة! نحن دولة حية عميقة الجذور، والفرق بين التوصيفين هو الفرق بين الحنين إلى الماضي والثقة في الحاضر.

لا تكمن المشكلة -برأيي-  في زيارة السفير، بل في القراءة الهستيرية التي تحيط بها؛ البعض يحوّل طقوس الضيافة إلى إشارات سياسية، ويرى في فنجان القهوة رسالة دبلوماسية، وفي رأس الخروف أو الرأسين المقدمين كرمًا، اعترافًا بدور!
والخيال الجامح للبعض يصوّر أن يُطلب من السفير أن يتوسط في صلح عشائري؛ كفكاك نشب! أو ربما ككفيل وفا أو دفا،  أو أن يتقدم طلب بنات للخطبة والزواج! وكأننا نعيش في زمن الممالك القديمة؛ حين كان السفراء يحملون عروض الزواج بين الأمراء! هنا -برأيي- تتحوّل الضيافة إلى وهم، ويصبح الكرم خطابًا في لغة لا يتقنها الضيف!

في واحدة من أعظم المفارقات، أجد  أحيانا أن بعض المتحمسين يتحولون إلى "سفراء أكثر من السفير نفسه"! يشنّون معارك إعلامية للدفاع عن شرف لم يُسألوا أبدا عنه! ويحرسون رمزية لا يفهمها الضيف أساسًا!
ذلك السفير، الذي تربّى على ثقافة تجعل من النقد العلني للرئيس رياضة وطنية، اعتقد أنه يرى حماسنا المفرط تطرفًا عاطفيًا لا مغزى له! 
هؤلاء يخوضون معركة أحادية الجانب، في ساحة لم يفتحها الطرف الآخر أصلا! ويظنون أن الدفاع عن الضيافة يوازي الدفاع عن السيادة، بينما الحقيقة أن السيادة لا تنتزع بالكرم، والكرم لم يكن ليحل محل الدولة أبدا!

تاريخنا يقدم درسا صارما في معنى السيادة؛ حين زار ياسر عرفات ديوان آل العتوم في جرش معزيًا، تلقى اتصالًا من رئيس الوزراء آنذاك يعاتبه على تجاوز القنوات الرسمية، حتى الرمز  الكبير لم يكن فوق مراسيم الدولة؛ هذه القصة التي رواها الخال عبد الله العتوم -أطال الله في عمره- شاهدة على أن النوايا الحسنة لا تكفي، وأن للدولة طقوسها التي لا تقبل الاجتزاء!

لكن، وراء كل هذا الضجيج يكمن الواقع المؤلم! العشيرة ايضا مطالبة بحماية أبناءها كما تحمي الدولة، وإلا أصبحت صورتها الخارجية أجمل من حقيقتها الداخلية. أين الصناديق التي تمنع شابا موهوبا من أن يبيع حلمه..او أن يهاجر؟ وأين الشبكات التي تحمي امرأة تفاخر بأنها "بنت عشيرة" من السقوط في سجن الديون؟ وأين...وأين.
 الدولة القوية لا تخاف من عشائرها، والعشائر الأصيلة لا تتجاوز دولتها. التوازن بين حرارة المجتمع و"برودة" المؤسسات هو سر الاستقرار الأردني. الضيافة فضيلة، والعشيرة ركيزة، والدولة وحدها الإطار الجامع الذي يضمن أن تبقى الضيافة كريمة والعشيرة محترمة.

 زيارة السفير -برأيي- ليست حدثًا عابرًا، بل اغتراب مزدوج: الغرب يبحث عن أسطورة، ونحن نقدّم له عظمة لا يفقهها!؛ كل انطباع، كل تحية، كل غمزة، كل إيماءة وكل فنجان قهوة درس في السيادة، درس في الأصالة، درس في الفهم الحقيقي للدولة: دولة لا تموت في الدواوين، ولا تُقهر في الضيافة، لكنها تُعلي معنى الوطن فوق كل الرموز.

قهوة السفير واللحية الغانمة، في وداعة الدولة وصلابة العرف، تصنع المعجزة الأردنية: الجمع بين دفء المضافة وصلابة المؤسسة، وصهر العرف والدستور في بوتقة وطنية واحدة، حيث لا ضيافة تغني عن سياسة، ولا سياسة تغني عن ضيافة، والدولة وحدها تحمي الكل وتجمع الكل في بوتقة وطنية متينة لا تهتز.

 تحرير أنفسنا من هوس القراءة الرمزية لكل شيء يجعلنا نفهم معنى الوطن أكثر. 
السفير زائر، والديوان بيت كرم، والدولة سيادة.
والأردن أكبر من أن يُختزل في قراءة خاطئة لزيارة، وأعمق من أن يُفهم من خلال فنجان قهوة. 
وتظل الضيافة شرفًا، والعشيرة ركيزة، والدولة وحدها تجمع الكل في وطن خالد.

مواضيع قد تعجبك