*
الاحد: 11 يناير 2026
  • 11 يناير 2026
  • 16:50
صوتان وأردن
الكاتب: عماد داود

أبو زيد والمومني: صهيل الهوية وهمس الحكمة!

تلك الحكمة العميقة التي تتوارثها الأمم الحية، والتي تعلمنا أن الدول العظيمة لا تصنعها القرارات وحدها، بل يصنعها العقل الذي يسبق القرار، والروح التي تملأ القرار معنى.
 حكمة الأردن الخالدة التي تعرف أن البناء الحقيقي يبدأ من رؤية تتجاوز اللحظة، وإرادة تتحدى المستحيل.
 في هذا السياق الشائك بين الذاتي والموضوعي، أستحضر مكالمة غير متوقعة تلقيتها ذات ظهيرة من معالي الدكتور محمد المومني وزير الاتصال الحكومي، الناطق الرسمي باسم الحكومة، كانت قصيرة في زمنها ولكنها طويلة في أصدائها. جاءت المكالمة لتثني على مقالة لي عن الدكتور جعفر حسان وصفته فيها بـ"ترجمان الدولة"، ولكن المفارقة التي تثير التأمل هي كيف يمكن للثناء أن يتحول، في دهاليز التفسير البيروقراطي، إلى حكم مسبق، وكيف يمكن لخبرة الإنسان في عالم المكتبات والمعلومات والأرشيف – ذلك العالم الذي انطلق منه العقاد ليكون عملاق الفكر – أن تُرى في سياق الضعف لا القوة! وكأن فهم طبقات النص والسياق عيبٌ في عالم يكافئ السرعة والسطحية. وبالطبع فإن هذه المفارقة ليست شخصية فحسب، بل هي نافذة صغيرة نطل منها على تحول أكبر في روح الإعلام الأردني، من زمن المؤسس صلاح أبو زيد إلى زمن الترجمان -أيضا- محمد المومني.

كان صلاح أبو زيد شاعراً يمتلك ميكروفوناً في زمن كان الصوت فيه معركة وجود، وحين أطلق "هنا عمّان" لم يكن يفتتح إذاعةً بل كان يؤسس لوعي.
 في عصر كانت الهويات تُصهر في بوتقة الخطابات الشمولية، جاء صوته ليعلن استقلال الروح الأردنية. جمع الفنانين وكتب الأغاني وأسس للمسرح لأنه فهم أن الثقافة هي الخندق الأخير للهوية، وأن المعركة الحقيقية تُخاض على مسرح الوجدان قبل ساحة القتال. كان إعلامه تعبوياً لأن الزمن كان زمن تأسيس، والتأسيس يحتاج إلى صهيل يهز المشاعر ويوقظ الوجدان ويعلن الولادة في صحراء من الصمت الإقليمي.
بعد نصف قرن، في عالم تحول من البث الأحادي إلى الفوضى الرقمية، جاء الدكتور محمد المومني حاملاً أدوات الترجمان لا المنادي.
وفي زمن لم يعد العدو فيه إذاعة واحدة بل آلاف المنصات التي تبث التشويش، جاء الرجل الذي يحمل دكتوراه في العلوم السياسية ليحول الضجيج إلى خطاب، والفوضى إلى حوار، والتعقيد إلى فهم. هو لا يرفع الصوت بل يرفع مستوى الحجة! ولا يهتف بشعارات بل يحلل وقائع! ولا يواجه بخطاب حماسي بل بمنطق هادئ! 
كاريزميته في منهجيته الأكاديمية التي تظهر في بحوثه ومقالاته، وفي تلك القدرة النادرة على تحويل التعقيد السياسي إلى خطاب واضح، حيث يصير القلم – قلم الباحث والأستاذ والكاتب الصحفي – أداة تشريح دقيقة لا مجرد أداة كتابة، وصوته في منطقه الذي يثق بأن العقل قد يكون آخر معاقل المقاومة في زمن الاستسلام للعاطفة.
التقى الرجلان عند منعطف المصير: كلاهما تعامل مع الكلمة كمسؤولية وجودية. أبو زيد حوّل الصمت إلى صوت، والمومني يحول الضجيج إلى معنى. الأول واجه "صوت العرب" المدوي بصوت أردني واضح، والثاني يواجه فوضى المنصات الرقمية بعقلية تحليلية. كلاهما يؤمن بأن الإعلام جبهة، وإن اختلف شكل المعركة: معركة أبو زيد كانت على الوجود، ومعركة المومني على تماسك المعنى. الأول كان شاعر الدولة الناشئة، والثاني هو فيلسوف خطاب الدولة القائمة.
وفي مساحة هذا التأمل، تطفو خبرة الأرشيف التي نظر إليها البعض باستخفاف، تلك الخبرة التي انطلق منها العقاد ليصبح عملاق الفكر العربي. فمن عاش بين النصوص وتنفس غبار الوثائق يتعلم أن المعنى الحقيقي لا يكمن في السطر الواحد بل في السياق الكامل، وليس في الكلمة المنفردة بل في النسيج الخفي الذي يربط الجمل بعضها ببعض. هذه المهارة ليست عيباً بل هي عمق مضاعف، وقدرة على قراءة التاريخ كحكاية متصلة لا كفصول منفصلة. هي رؤية ترى ما وراء الظاهر، وتسمع ما بين السطور، وتقرأ حتى "الممحي"! وتفهم أن الحقيقة نادراً ما تكون في السطح بل في الطبقات المتراكمة تحته.
فهل نحتاج إلى إعلام تعبوياً اليوم؟ السؤال يحتاج إلى إعادة تعريف "التعبئة" نفسها. نحن لا نحتاج إلى تعبئة المشاعر الفارغة، لا بل إلى تعبئة الوعي الواعي! نحتاج إلى إعلام يجمع بين حكمة المؤسس وبرودة المحلل، بين دفء الهوية ووضوح الرؤية، بين صهيل التأسيس وهمس التحديث. إعلام يكون ترجماناً حقيقياً لروح الأمة في كل مرحلة، يعرف متى يرتفع الصوت ومتى يعلو الفكر، متى تحتاج الروح إلى أغنية ومتى تحتاج العقل إلى خريطة!
لقد مات صلاح أبو زيد جسداً لكن سؤاله الوجودي باقٍ، ويحاول الدكتور محمد المومني أن يجيب عليه من موقعه كترجمان للدولة في زمن التحول. الأردن بين الرجلين حكاية متواصلة: أبو زيد قال "هنا عمّان" بصوت عالٍ حين كان الصوت ضرورة، والمومني يقولها بصوت هادئ حين أصبح الوضوح ضرورة. وتبقى الكلمة أمانة، والوطن هو تلك الأمانة التي تنتقل من جيل إلى جيل، من صوت إلى صوت، في استمرارية تعرف أن العظمة ليست في البداية فقط بل في القدرة على إعادة اختراع الجوهر في كل عصر.
الأردن ليس مكاناً على الخريطة فحسب، بل هو هذه القدرة الدائمة على القول: "هنا". هاهنا نقف، ها هنا نعيد اختراع أنفسنا، ها هنا نرفض أن نموت.
 ها هنا، في هذه المسافة بين صوت أبو زيد الجهوري وهمس المومني التحليلي، نجد سر الأردن الذي لا ينكسر: القدرة على التحول دون التنكر، والتطور دون القطيعة، والاستمرار دون تكرار. وهذا هو خلود الأمة التي تعرف أن صوتها لا يموت، بل يتحول من صهيل إلى همس، ومن همس إلى حكمة. والحكمة، في النهاية، هي آخر ما نحمله، وأول ما نتركه لمن سيأتي بعدنا، في أرشيف الوطن الحي الذي لا يُغلق أبوابه أبداً!
 

مواضيع قد تعجبك