*
الاحد: 11 يناير 2026
  • 11 يناير 2026
  • 03:31
الوقت الخاص للرجل حاجة نفسية أم هروب من المسؤوليات

كثيرا ما تثار تساؤلات حول سلوك بعض الأزواج حين يخصصون وقتا يقضونه في أماكن خارج المنزل بمفردهم أو مع أصدقائهم، وقد يفسر هذا السلوك من قبل بعض الزوجات على أنه هروب أو تقصير في الحقوق الزوجية، مما يولد توترا وخلافات داخل الأسرة.

لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن لهذا "الوقت الخارجي" أهمية كبيرة لصحة الزوج النفسية، بل ويمكن أن يصبح عاملا محوريا في تقوية العلاقة الزوجية وتعزيز استقرارها، إذا ما تمت إدارته بتفاهم وحكمة.

 

لماذا يطلب الرجل وقتا خاصا؟

يواجه الرجل مثل المرأة ضغوطا متراكمة ناتجة عن العمل والمسؤوليات المالية ومتطلبات الأسرة. وتشير أبحاث الصحة النفسية إلى أن الرجال غالبا ما يميلون إلى التعامل مع التوترعبر الانسحاب المؤقت أو البحث عن "مساحات هادئة" بعيدا عن الضغوط المباشرة، ويفضلون ذلك بدل التعبير اللفظي المستمر عن مشاعرهم.

وهذا "الوقت الخاص" لا يعني بالضرورة رفض الحياة الأسرية، بل هو وسيلة لإعادة شحن الطاقة النفسية والعاطفية. وقد رصدت دراسة إسبانية أجريت على 2816 شخصا في جامعة "لا لاغونا"، الفروق بين الجنسين في مستويات التوتر وأساليب التكيف معه، وتبين أن الرجال يميلون بدرجة أكبر إلى كبح المشاعر وتجنب المواجهات وعدم الإفصاح العاطفي، بينما كانت النساء أكثر ميلا للتعامل مع التوتر عبر التعبير العاطفي المباشر.

وتدعم نتائج الدراسة المذكورة فكرة أن الرجال غالبا ما يفضلون الانسحاب والبحث عن "مساحات هادئة" في مواجهة الضغوط، بدلا من التعبير المستمر عن مشاعرهم.

 

مفهوم “المكان الثالث” وأهميته للرجل

يستخدم علماء الاجتماع مصطلح (المكان الثالث) للإشارة إلى المساحة التي تقع بين المنزل، بوصفه المجال الأول، والعمل باعتباره المجال الثاني، وتشمل أماكن مثل المقاهي والنوادي ومراكز الهوايات التي توفر بيئة محايدة للاسترخاء والتواصل الاجتماعي.

وتشكل هذه المساحة أهمية خاصة لدى الرجال، وتمنحهم فرصة للتجديد النفسي وإعادة شحن الطاقة الذهنية والعاطفية، مع الحفاظ على جانب من الهوية الفردية بعيدا عن الأدوار الصارمة المرتبطة بكونه زوجا أو أبا أو موظفا.

تشير دراسة أُجريت في جامعة تونغجي الصينية، نُشرت عام 2023 في مجلة (فورتن)، إلى أن الانتظام في ارتياد المقاهي يرتبط بتحسن ملحوظ في مؤشرات الصحة النفسية، وانخفاض مستويات القلق والاكتئاب، ولا سيما لدى الرجال الذين يميلون إلى تقليص طلب الدعم العاطفي المباشر.

ويُنظر إلى المقهى، في هذا السياق، بوصفه مساحة اجتماعية مرنة تتيح لقاء الأصدقاء وتبادل الحديث والأفكار في أجواء غير رسمية، بما يوفر دعما اجتماعيا وعاطفيا بسيطا ومنخفض التكلفة، ويسهم في الحد من التوتر والشعور بالعزلة، كما يستعيد به الرجل قدرا من الهدوء والتوازن النفسي ينعكس إيجابا على استعداده للحوار والمشاركة وإظهار الود، ويعزز العلاقة الزوجية ويقوي التقارب بين الزوجين.

حين تمنح الزوجة زوجها مساحة شخصية، فإن ذلك يعكس مستوى متقدما من الثقة والاحترام المتبادل، ولا تعني هذه الثقة السماح بغياب مفتوح أو غير منضبط، بقدر ما تقوم على الإقرار بأن لكل طرف احتياجات نفسية واجتماعية تختلف في طبيعتها وحدودها.

وتؤكد الدراسات أن العلاقات التي تُبنى على الثقة المتبادلة والحرية المنضبطة تكون أكثر قدرة على الاستمرار، وتحقق قدرا أعلى من الاستقرار والرضا والسعادة على المدى الطويل.

 

المساحة الشخصية تعزز استقرار الزواج

عندما يتفهم الزوجان حاجة كل منهما إلى تخصيص وقت اجتماعي خاص، تتراجع حدة التوتر المرتبطة بالابتعاد المؤقت، ولا يعود هذا الوقت مُحمّلا بدلالات الهروب أو الإهمال، بل يُنظر إليه بوصفه ممارسة صحية تسهم في تحقيق التوازن داخل الحياة الزوجية.

فالمساحة الشخصية في العلاقات تحافظ على الصحة النفسية، فهي تشبه استنشاق نفس من الهواء النقي لتجديد النشاط، ومن خلال هذا التفاهم تبنى علاقة أكثر نضجا واحتراما، بعيدا عن الصراع بين المنع والتجاهل.

وتشير الدراسات إلى أن الأزواج الذين حافظوا على مساحة شخصية سُجلت لديهم مستويات أعلى من الرضى في العلاقة ومستويات أقل من الصراع، مما يؤكد أن المساحة الشخصية ليست تهديدا للعلاقة بل هي عامل يعززها.

وفي هذا السياق توضح الدكتورة تيري أوربوش، عالمة النفس والأستاذة الباحثة في معهد البحوث الاجتماعية بجامعة ميشيغان، في حديث لصحيفة "صنداي مورنينغ هيرالد"، أن امتلاك كل من الشريكين وقته الشخصي وأصدقاءه يجعل العلاقة أكثر حيوية، ويحد من الشعور بالملل.

كما يمنحهما هذا الوقت فرصة لمعالجة أفكارهما، وممارسة هواياتهما، والاسترخاء بعيدا عن أعباء المسؤوليات اليومية، الأمر الذي ينعكس إيجابا على جودة العلاقة بينهما.

شعور الزوج بأنه محتجز في البيت دون متنفس قد يولد توترا داخليا، بينما الجلوس لفترات طويلة جدا في المقهى أو خارج المنزل قد يسبب مشكلات أيضا، لذلك يكمن الحل في تحقيق توازن صحي بين الوقت الشخصي ووقت العائلة.

ولتفادي الاحتقان وتحقيق الانسجام بين الطرفين، من الضروري إدارة حوار هادئ ووضع اتفاقات مشتركة تحدد الأوقات المناسبة للخروج وعدد المرات بما يراعي احتياجات كلا الشريكين، مما يعزز الشعور بالعدالة والاهتمام والرضى المتبادل داخل العلاقة الزوجية.

 

كيف ينظم الزوجان وقت "المكان الثالث"؟

التواصل المفتوح:
الخطوة الأولى تبدأ بحوار صريح حول مشاعر كل طرف تجاه الوقت الذي يقضيه بعيدا عن الآخر، كما أن التعبير عن القلق أو الانزعاج بلغة هادئة وبنّاءة، بعيدا عن اللوم، يفتح المجال لفهم أعمق ويقوّي جسور الثقة بين الزوجين.

وضع حدود مشتركة:
الاتفاق المسبق على عدد مرات الخروج في الأسبوع، وتحديد الأولوية للعائلة، يساعد على تنظيم الحياة اليومية ويضمن احترام احتياجات الطرفين دون تعارض أو سوء فهم.

استثمار الوقت المشترك:
ليس المهم كم من الوقت يقضيه الزوجان معا، بل كيف يقضيانه، فلحظات بسيطة داخل المنزل (نشاط مشترك أو حديث هادئ أو وجبة تجمعهما) قد تكون أكثر أثرا من ساعات طويلة تخلو من التفاعل، والجودة هنا تتقدم على الكمية، وتغذي الترابط العاطفي.

مشاركة المشاعر والقلق:
بدلا من الانتقاد المباشر، من الأجدى مشاركة المشاعر بصدق وهدوء، فالسؤال عن شعور الشريك، أو شرح تأثير بعض التصرفات على النفس، يمهّد الطريق لإيجاد حلول مشتركة تُرضي الطرفين.

دعم الاستقلالية:
من المهم الاعتراف بأن لكل شريك عالمه الاجتماعي واهتماماته الخاصة، ومنح مساحة صحية للاستقلالية لا يهدد العلاقة، بل يقوّيها، إذ يعود كل طرف أكثر توازنا وقدرة على العطاء داخل الأسرة.

وفي المحصلة، لا يمكن النظر إلى استراحة الرجل خارج البيت بأنها هروب من المسؤوليات أو مؤشر على خلل في العلاقة الزوجية، بل هو مساحة صحية تعزز قدرته على التفاعل الإيجابي وتحمل أعباء الحياة الأسرية وتكون مفتاحا للتوازن والتفاهم المتبادل والتواصل المفتوح.

وعندما تدعم الزوجة هذه الحاجة بوعي وحكمة، فإنها تسهم في حماية الصحة النفسية لزوجها، وتستثمر في قوة واستقرار العلاقة الزوجية على المدى البعيد.

 

مواضيع قد تعجبك