نختتم جولتنا بصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية ومقال رأي كتبه فريد زكريا بعنوان "ترامب يعلّم العالم الهيبة من أمريكا" ويستهله الكاتب قائلاً إنه على مر التاريخ، غالباً ما واجهت الدول القوية صعوبة في إيجاد حلفاء موثوق بهم لديها، فحينما تصبح إحدى الدول مهيمنة، تميل الدول الأخرى إلى موازنة قوتها.

ويفسر الكاتب أن هذا يمكن ملاحظته لدى جيران روسيا في أوروبا الشرقية، عندما اندفعوا للانضمام إلى حلف الناتو بمجرد أن أتاح لهم العالم هذه الفرصة، وبالمثل، في جيران الصين في آسيا، عززت اليابان والهند وأستراليا وفيتنام ودول أخرى روابطها الأمنية مع الولايات المتحدة ومع بعضها لمواجهة صعود بكين.

لكن بالنظر إلى الولايات المتحدة، تفقد تلك النظرية توازنها، بحسب رأي الكاتب، فالولايات المتحدة هي الدولة الأقوى عالمياً، وعلى الرغم من ذلك فإن العديد من أغنى الدول وأكثرها قدرة لا تسعى إلى موازنتها، بل تتحالف معها، فهي تستشيرها بشأن القضايا الأمنية الجوهرية، وتستضيف قواتها، وتنسق جيوشها مع قواتها، هذا الوضع ليس مألوفاً في سياق التاريخ الحديث على المدى الطويل.

لماذا؟ ليس لأن الولايات المتحدة تتصف بالقداسة، كما يفسر الكاتب، بل لأنها غالباً تتصرف خلافاً للسلوك التقليدي للدول المهيمنة، فعلى مدى ثمانية عقود منذ الحرب العالمية الثانية، سعت الولايات المتحدة إلى جعل قوتها مقبولة لدى الآخرين من خلال وضع قواعد، وإنشاء مؤسسات، والحفاظ على الشرعية، كما أسست تحالفات بدلاً من أنظمة تبعية، وتبنت لغة المبادئ، مثل الأمن الجماعي، تقرير المصير، التجارة الحرة، حتى وإن لم تُطبقها بشكل كامل.

ويرى الكاتب أن هذا الجهد الرامي إلى تحويل القوة إلى شرعية يعد الركيزة الخفية للهيمنة الأمريكية، فعندما تتصرف الولايات المتحدة كواضعة للقواعد بدلاً من مستغلة للنفوذ، فإنها تنال شيئاً أعظم من مجرد الهيبة، ألا وهو الموافقة الطوعية، وهذه الموافقة هي ما يحوّل الهيمنة إلى قيادة، والقيادة إلى نظام تفضله الدول الأخرى على البدائل، كما أنها تمنع لجوء الدول إلى فكرة موازنة القوة.

وهذا بالضبط، كما يقول الكاتب، يجعل ما يحدث في فنزويلا اليوم تهديداً لهذا الأساس، فالخطر لا يكمن في العملية ضد الرئيس نيكولاس مادورو في حدّ ذاتها، وإنما في التجاهل التام للقانون الدولي، والمعايير، والتحالفات، والدبلوماسية وهو ما يميّز انحراف السياسة الخارجية الأمريكية.

ويضيف الكاتب أن ترامب استند إلى ما يعرف بـ "مبدأ مونرو" لتبرير هذه العملية، وهو مبدأ كان يُنظر إليه غالباً، بعد عام 1823، على أنه إجراء مضاد للإمبريالية، يهدف إلى منع التدخلات الأوروبية على نمط الاستعمار في نصف الكرة الغربي، بيد أنه لاحقاً، وخصوصاً مع الرئيس ثيودور روزفلت في 1904، تحوّل المبدأ إلى إذن للتدخلات الأمريكية في كامل أمريكا اللاتينية.

ويلفت الكاتب إلى أنه على مدار الأربعين عاماً الماضية، تبنت الولايات المتحدة نهجاً تجاه أمريكا اللاتينية، شجع على التحول نحو الديمقراطية بعيداً عن الأنظمة العسكرية، وعزز التجارة والاستثمار، ودعم الإصلاح المؤسسي، وتعاون مع الدول لمكافحة المخدرات والهجرة، والمكسيك تعد رمزاً لهذا التحوّل، فبعد أن كانت تُعرف تاريخياً بشكوكها العميقة تجاه واشنطن، أصبحت اليوم واحدة من أقرب الشركاء الاقتصاديين للولايات المتحدة.

ويرى الكاتب أن هذا الرصيد الاستراتيجي الذي بُني على مدى عقود، يُهدر الآن، وعلى المدى الطويل، فإن الولايات المتحدة التي تتصرف كمفترس أناني بالكامل على الساحة الدولية لن تزداد قوة، بل ستزداد عزلة، نظراً لأن الحلفاء سيبحثون عن طرق لحماية أنفسهم، والشركاء سيبحثون عن بدائل، والمحايدون سيبتعدون تدريجياً.

ويختتم فريد زكريا مقاله مشيراً إلى أن الهدف، على ما يبدو، الذي تسعى إليه إدارة ترامب هو أن تتصرف كدولة عدوانية على غرار روسيا في عهد بوتين، وأن تسعى بوضوح وراء مصالحها الخاصة. لقد اتبعت الولايات المتحدة، بدرجات متفاوتة وبأخطاء عديدة، نهجاً مختلفاً خلال العقود الثمانية الماضية، وأرسَت نظاماًَ عالمياً جديداً، وهو النظام الذي يجري تفكيكه حالياً بطريقة متهورة.